الجمعة 05 يونيو ,2026 الساعة: 03:37 مساءً
في مجتمع يئن تحت وطأة تراث ثقيل من الفوارق الاجتماعية، تتعانق التفاصيل الصغيرة لتشكل لوحة قاتمة من التراتبية العنصرية المتوارثة. لا شيء يعكس عبثية هذا البناء العنصري في اليمن، مثل تلك الحكاية التي تتصدر الآن مشهد الرأي العام في وسائل التواصل الاجتماعي: شاب اسمه عابد المصرف، وجريمة لم يرتكبها سوى أنه تزوج فتاة من أسرة "مزينة" لا تنتمي للقبائل التي ينتمي إليها، فكان الجزاء ما كان اليوم.
لكن القصة أعمق من حالة فردية، إنها مرآة لمجتمع موبوء بثقافة الموروث العنصري، يمارسها البعض بوعي والآخرون دون وعي، لكنهم يستجيبون لها، حيث تظل ضحاياها تتوالى بانتظام متجدد.
ليس المجتمع اليمني بحاجة إلى التضامن مع عابد المصرف فقط، بل إلى وقفة جادة أمام قبح هذا الموروث الذي يتجدد مع تعاقب الأجيال، ويُسربل السواد الأعظم من اليمنيين بعباءة من التمييز المقيت. فالتقسيمات الاجتماعية هنا ليست مجرد طبقات اقتصادية، تعالج بدفع الزكاة المفروضة على المسلم أو بالماركسية في مذهب الشيوعيين أو بتجارة السوق الحرة لدى الرأسماليين، بل هي سلالات وأصول جينية: السيد والقبيلي والمزين والجزار والخادم، وكأن الإنسان يولد وفي جسده وشم لا يُمحى، يحدد مكانه في الهرم الاجتماعي قبل أن ينطق باسمه.
والأكثر مأساوية أن هذه الفوارق لا تقتصر على العلاقات بين هذه الفئات الكبرى، بل تمارس داخلياً أيضاً. فالقبيلي الذي يصرخ في وجه عنصرية السيد، يتحول بدوره إلى عنصري لا يقل قسوة تجاه المزين والجزار. والمزين يرى نفسه أفضل من الجزار، والجزار يرى نفسه أفضل من الخادم، وهكذا في سلسلة لا تنتهي من التراتبية المهينة. إنها ثقافة العنف الرمزي التي تجعل كل فرد في المجتمع يجد من هو أقل منه مكانة، ليمارس عليه ما يمارسه من هو أعلى منه عليه.
هنا؛ لا يمكن فهم استمرار هذا الموروث القبيح دون النظر إلى دور النظام السياسي في اليمن. فالسلطات التي تعاقبت في ظل الجمهورية في الشمال، كانت بشكل أو بآخر تجسد أو تُكرس استمرار هذه الثقافة. والسبب بسيط: تحويل المجتمع التقليدي إلى شعب سياسي تذوب فيه كل الفوارق لم يكن يصب سياسياً في مصلحة تلك السلطات، بل على العكس من ذلك، استمرار الانقسامات الطبقية والعرقية ضمنياً يعني استمرار قواعد اللعبة القديمة، التي تضمن للسلطة التقليدية بقاءها دون حاجة إلى بناء دولة العدالة والمواطنة المتعبة، إنها ثقافة العقل السياسي الموروث، المتجددة في اليمن.
صحيح الاستثناء كان موجوداً. في جنوب اليمن، مع سلطة الحزب الاشتراكي اليمني، كان هناك توجه حقيقي نحو قلب الطاولة على هذا الموروث العنصري، فالحزب الاشتراكي اتخذ خطوات جادة، ليس مجرد شعارات، بل إجراءات عملية عملت على تجاوز هذا الإرث. لهذا كان الفارق جذرياً بين سلطة القبيلة في الشمال، التي وجدت في هذه التراتبية مصدر قوة وشرعية، وبين مشروع الاشتراكي الذي راهن على المساواة وسحق الفوارق وإن بدت طوباوية في سياق إقليمي معاد.
اليوم، مع سلطة الحركة الحوثية ذات الطابع السلالي، تتعمق ثقافة الموروث العنصري بشكل غير مسبوق. الحركة تؤسس ثقافياً وسياسياً لسلطة السيد الذي اصطفاه الله، وهذا ليس مجرد شعار دعائي، بل تصور متكامل يضع السيد في قمة الهرم السياسي بتفويض إلهي. وهذا يعني على المستوى الاجتماعي أن السيد أفضل من غيره تفضيلاً عينياً، وفق المنطق السلالي الذي تعيد الحركة الحوثية إنتاجه ثقافياً في مناطق سيطرتها.
ونتيجة لهذه الثقافة المكرسة منذ قرون، سوف يجد القبيلي نفسه في موقع معقد: فهو يعوض عقدة نقصه إزاء السيد بممارسة التمييز على من هم دونه، مما يجعل ثقافة العنصرية ثقافة حياة متكاملة، الكل يمارسها بتراتبية دائرية: الحاكم السيد ثم الشيخ ثم القبيلي ثم المزين ثم الجزار، كل في موقعه، وكل واحد يجد من هو أقل منه ليسحق كرامته.
مع هذا التكرار المأساوي، يظل السواد الأعظم من اليمنيين معلقين في شرك هوية لا يختارونها، في مجتمع لا يريد أن يعترف بأن العنصرية عار، وأن الكرامة الإنسانية لا تُقاس بالأصول وإنما بالأفعال.