الجمعة 17 يوليو ,2026 الساعة: 07:58 مساءً
ثمانية رؤوس في جسد واحد: معجزة سياسية أم وصفة للشلل؟
في المشهد اليمني المعقد، لا تبدو الحرب مجرد مواجهة عسكرية بين أطراف متصارعة، بل تبدو أحيانًا نتيجة تداخل ثمانية مراكز قرار، تتقاطع فيها الحسابات الداخلية والإقليمية والدولية، حتى كدنا أن يصدق عليها المثل القائل : "إن كثرة الطباخين تفسد المرق".
وهنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحًا: هل يمثل هذا التعدد في مراكز القوة صيغةً للتوازن السياسي، أم أنه تحول إلى معادلة تعيق صناعة القرار وتدفع اليمن نحو مزيد من الاستنزاف؟ وان التحالف أوجدته لهذا الهدف؟
التصعيد المعلن في اليمن يمكن فهمه في إطار استخدام الساحة اليمنية كورقة ضغط ضمن المواجهة الإقليمية، حتى لو أدى ذلك إلى إشعال حرب يمنية شاملةواليمنيبن جميعا يريدون إنهاء هذا الوضع ولكن.
يبقى السؤال الأصعب: من سيقضي على من؟ أم أن لعبة الحسابات الدولية ستنتهي بالقضاء على الجميع؟ وهل تعلمت الشرعية من تجربة تحالف عام 2015؟
فصل القضاء ولو إلى النار
الخوف ليس من الحرب وحدها، بل مما بعدها؛ فالمعضلة الكبرى ليست فقط في كيفية بدء المعركة، وإنما في شكل اليمن الذي سيخرج منها.
يرى كثير من المراقبين أن المجلس لم ينجح حتى الآن في إنتاج رؤية موحدة لا بتوحيد جيش أو ببرنامج تنموي، ولا انه أمن مواطنا أو كسى عاريا وهو الأمر الذي يثير تساؤلات حول قدرته على إدارة استحقاقات ما بعد الحرب.
النصر البيروسي... انتصارٌ آخر وتضيع اليمن
بدأت قصة النصر البيروسي 279 قبل الميلاد عندما خاض الملك بيروس معركة طاحنة ضد الجيوش الرومانية. ورغم أنه انتصر بفضل تفوقه التكتيكي، إلا إنه تكبد خسائر فادحة في قواته ورجاله المخلصين.
وحين زُفَّت إليه بشرى "النصر العظيم" أجاب قائلًا:
"انتصارٌ آخر... وسنهلك جميعًا!"
ويبقى السؤال مرة رابعة وخامسة وعاشرا :
هل نحن أمام نصر بيروسي جديد، أم أننا أمام حرف تم تدارك أخطاءها وتعلمت من تجربة التحالف السابقة؟
الأوكتاجون اليمني : ثمانية أضلاع بين تعثر القرار التنموي واختبار قرار الحرب
سنكرر خوفنا يا مجلس الرئاسة ومن هذا الخوف يبرز السؤال الأهم: ما الضمانات لليوم التالي إذا اندلعت الحرب؟
أو كما عبّر رئيس مجلس القيادة الرئاسي : نحن جاهزون لليوم التالي؟ فما دلالة تلك الجاهزية؟
الدخول في الحرب دون تصور واضح لما بعدها قاد اليمن إلى واقع بالغ القسوة، ولا ينبغي أن يتكرر المشهد مرة أخرى عقد التحالفات كالزواج يبدأ بعقد وشروط ثم تكون الدخلة.
فاليمن لم تعد تحتمل انتصارًا بيروسيًا جديدًا، يُرفع فيه شعار النصر، بينما تكون الخسارة الحقيقية من نصيب الدولة والمجتمع ومستقبل الأجيال.
اليمن بين الخداع الاستراتيجي والتصعيد المعلن
من يدرس التاريخ يدرك أن لكل حرب منطقها الخاص، والسؤال هنا: لماذا لا يبدو التصعيد في اليمن شبيهًا بما فعلته مصر قبل حرب أكتوبر 1973؟
حيث أصبحت تلك الحرب تُدرَّس في الأكاديميات العسكرية لأنها قدمت نموذجًا فريدًا في الخداع الاستراتيجي؛ فلم يكن الهدف إخفاء ساعة الصفر فحسب، بل إقناع العدو بأن الحرب غير واردة أصلًا.
فمُنحت إجازات للجنود، وسُمح لكثير منهم بالسفر لأداء العمرة، وتكررت المناورات العسكرية حتى أصبحت أمرًا اعتياديًا لا يثير الشك.
أما في اليمن، فالمشهد مختلف؛ إذ تُعلن التحركات العسكرية والخطابات السياسية والدبلوماسية على الملأ، كما حدث قبيل حرب صيف 1994، فيتابعها الداخل والخارج في مشهد مفتوح.
ولعل الجواب أن الحروب بين الدول يكون عنصر المفاجأة العسكرية فيها أحد أهم مفاتيح النجاح
ما في الصراعات الداخلية أو الأزمات الإقليمية المركبة، فإن المعركة لا تُدار في الميدان وحده، بل تحتاج إلى تهيئة الرأي العام، وبناء الشرعية، وكسب التحالفات قبل إطلاق الرصاصة الأولى.
الخلاصة
ما تجلى في الأزمة الأخيرة، وفي حادثة إنزال الطائرة بذلك الأسلوب، عزز لدى كثير من المراقبين، وحتى لدى بعض المواطنين، انطباعًا بأن سلطة صنعاء تؤدي وظيفة تتجاوز كونها سلطة طبيعية نابعة من سياق الدولة.
وبين الخداع الاستراتيجي الذي يصنع المفاجأة، والتصعيد المعلن الذي يسبق الانفجار، يبقى السؤال الأكبر :
إذا كان كل طرف، عبر خطابه الإعلامي، يعد جمهوره بالنصر، فأيُّ الروايتين أقرب إلى الواقع؟ وأيُّ انتصارٍ سيكون انتصارًا للدولة لا عليها؟
نسأل الله أن يجنب اليمن حربًا جديدة، وأن يحفظ دماء أبنائها، وأن يجعل المستقبل بابًا لبناء الدولة، لا لسلسلة جديدة من الانتصارات البيروسية التي لا يخرج منها أحد منتصرًا..