الخميس 23 يوليو ,2026 الساعة: 11:21 صباحاً
سوء التقديرات، حتى لا نقول سوء النوايا، خدمت الحوثي في مناسبتين فاصلتين: الأولى عند دخوله صنعاء؛ حيث كان بالإمكان صده عنها، وما يزال بعيدًا، قبل سقوط عمران، والأخرى بعد تدخل التحالف وقيام عاصفة الحزم؛ حيث كان بإمكان التحالف، الذي تقوده السعودية، دعم اليمنيين المناوئين للحوثي - والمناوئون له هم أغلبية اليمنيين الساحقة - وتحرير صنعاء في فترة لا تتعدى السنة الواحدة. وكان دعم جيش يمني واحد من كل مناطق اليمن هو كلمة سر النجاح والنصر، كما أن كلمة السر فيما آلت إليه الأمور من فشل ومعاناة وتبعات هي تفخيخ اليمن بجيوش ومليشيات متضاربة الأجندات والعقائد والأهداف، وتبني تفتيت اليمن وتجزئته، صراحةً وضمنًا.
ولم يفعل التحالف ما يجب، رغم الدمار الهائل الذي تسبب فيه القصف لمقدرات اليمنيين، ورغم أن الضحايا بعشرات الآلاف، والمأساة اليمنية لا يماثلها شيء في العالم.
وكلما مر الوقت اتضح أكثر أن أجندة التحالف قامت على:
الحوثيين في صنعاء، والانفصاليين في عدن، والتحرير يتوقف عند الحدود الشطرية السابقة.
أما الموقف السعودي تجاه حضرموت، فقد جاء عرضًا، كما يبدو، لإبعاد الإمارات، وليس لإنهاء الأهداف التي تبنتها، فالهدف النهائي في التفتيت والتجزئة ما يزال، كما يبدو، لم يتغير. وما تزال قضية الجنوب عادلة وتاريخية، كما يجري الحديث عنها في الرياض الآن، وهي لم تكن على أجندة التحالف في البداية، وإنما جرى تضخيمها وتدليلها وفرضها وهيمنتها من قبل التحالف. والمفارقة أن ذلك قد تم مع وجود رئيس جنوبي، ونائب رئيس ورئيس وزراء جنوبي، وإن شئت حضرمي (بحاح ثم بن دغر)، وحكومة ما يزال أكثرها من الجنوب. ولو كان الهدف تمكين الجنوب الحبيب وحضرموت العزيزة من قيادة اليمن، وإنصافهم، أو حتى محاباتهم، فمن كان يعترض على ذلك؟
أما ما سبق ودار في “مؤتمر الحوار الوطني الشامل” تجاه “القضية الجنوبية” من شطحات وتهويلات ومبالغات وانتهازية، فهو في مجمله صنيعة شخصيتين أو ثلاث شخصيات نافذة وقتها، لغرض في نفس يعقوب، ولم يكن من مناص للباقين سوى الاتباع والمجاراة، ومثل ذلك يحدث كثيرًا في ظروف مماثلة.
وتقضي أجندة المجزئين الآن، أو الخطة البديلة، بأنه حتى ولو تم الحفاظ على وحدة اليمن، فيجب أن تكون هشة وضعيفة ومخترقة ومهلهلة، أقرب إلى التفتيت، ويسهل التحكم فيها، وفي مصير اليمن من الخارج، لسنين طويلة قادمة.
كان اليمنيون يظنون جدية التحالف في دعمهم، وقد بدا التحالف وكأنه جادٌّ في البداية، لكنه بعد أقل من شهر قال إنه حقق أهدافه، وأن عاصفة الحزم انتهت، وتبنى ما أسماه “إعادة الأمل”. وتم تقوية الانفصاليين ضد كل أحد وكل شيء، وفي المقابل التقرب من الحوثيين؛ حتى إنهم رددوا شعاراتهم وبيعة الولاية في الحرم المكي، على مرأى ومسمع.
وبالحسابات والمستجدات، لا بد أن التحالف قد يدرك الآن كم كان مخطئًا في حق نفسه وفي حق اليمنيين. وكلما مضى الوقت سوف تتضح الأخطاء الاستراتيجية أكثر فأكثر.
وليس هناك الآن، بعد التجربة المريرة والخيبات الكثيرة، ما يجعل اليمنيين يثقون بأن هناك مستجدات حقيقية لدى التحالف، في النوايا والأجندات والحسابات، بما يفيد اليمن. وقد خرجت الإمارات من اليمن، وإن كانت ما تزال تتبنى مشروع التفتيت والتجزئة وتدعمه، وكان خطؤها الفادح أنها مضت في مخطط دعم تفكيك اليمن وتفتيته، وقد تدرك يومًا كم كانت مخطئة ومجحفة في حق اليمن واليمنيين.
أما السعودية، فكلام كثير من مثقفيها وكتابها السياسيين البارزين، مثل الراشد، والحمَد، والحُميد، وآل زلفى، لم يكن بعيدًا عن أجندة الإمارات، وكأن أولئك الكتاب السياسيين السعوديين يقولون إن أجندة الإمارات هي أجندة السعودية أيضًا تجاه تفتيت اليمن. وفي بلداننا نفهم أن الإعلام والإعلاميين لا يقدحون من رؤوسهم، ولا “ينطقون عن الهوى” في قضايا مصيرية مثل وحدة اليمن ومصير كيانه وشعبه ودولته. ولعل ما يتبناه أولئك الكتّاب البارزون يعبر عن صدى سياسي، أو يترك صدىً وأثراََ عند صانع القرار السياسي في الرياض. وهناك أدلة وقرائن تؤيد ذلك وتدعمه، ومنها صمت الرياض على ما كانت تفعله أبوظبي في سقطرى وعدن وشبوة وسائر الجنوب، وصمتها عن التعبير عن دعم وحدة اليمن منذ ما يقارب تسع سنوات، بالمقارنة مع إعلان موقفها الداعم لوحدة بلدان عربية أخرى، أشرنا إليها مرارًا.
وندرك أمرين: الأول؛ أن السعوديين ليسوا مجمعين على ما يضر باليمن، وهناك من نعرفهم بالاسم من أولئك، ويدركون حقيقة أن الارتدادات عما يجري عند جارهم اليمن، خيرًا كان أم شرًا، ستعود على السعودية. والثاني؛ أن ليس لدى القيادة السياسية السعودية الشابة عُقد تجاه اليمن، غير أن الانهماك في الشأن السعودي الداخلي أكثر، لأسباب موضوعية، على أهمية موضوع ووضع اليمن بالنسبة للسعودية، أدى إلى تسليم ملف اليمن لجهات سعودية قريبة من جماعة “خلفان” و”جار الشيطان” (والوصف للأستاذ خالد الرويشان) مما جعل الأوضاع تكون كما هي عليه الآن.
لعل العودة إلى الأصل والحق هي التي سوف تنجي الجميع مما لا يرغب فيه أحد في نهاية المطاف، وأول ذلك الموقف الداعم الصريح لوحدة اليمن وكيانه الوطني وشعبه الطيب العزيز.