الخميس 23 يوليو ,2026 الساعة: 11:25 صباحاً
أولًا: رسالة إلى المملكة العربية السعودية... أمن الجوار يبدأ من استقرار الدولة
في العلاقات الدولية، تؤكد المدرسة الواقعية أن الدول لا تُقيَّم بحجمها الجغرافي فحسب، بل بقدرتها على إدارة محيطها الاستراتيجي، لأن الدولة الصغيرة قد تتحول - بفعل سوء إدارة الأزمات - إلى مصدر تهديد يتجاوز حدودها، وهـذه إحدى أهم قواعد التفكير الاستراتيجي.
قبل ثورة 1962 كان الغالب على المواطن اليمني البحث عن قدح شعير او بر لكن 1962 دخلت اليمن مرحلة مختلفة كليًا؛ إذ أدت الحرب التي أعقبتها والتدخلات الإقليمية التي امتدت قرابة عقدمن الزمن.
إلى تدفق الافكار والأسلحة وإعادة تشكيل مراكز النفوذ، فظهرت معادلات جديدة في البنية السياسية والقبلية اليمنية.
فلم يعد المواطن ينام وتحت رأسه كسرة خبز او ثوبه الجديد او يبحث عن قدح من الشعير.
وجاءت محطة عام 1994 لتضيف بعدًا آخر لهذا التحول عبر موجة جديدة من الاستقطاب، وانتقال الأسلحة من المعسكرات إلى القوى. ومع كل جولة صراع، كانت تتغير حسابات الفاعلين وتتزايد خبرتهم في إدارة التحالفات، حتى أصبحت موازين القوة أكثر تعقيدًا.
أما المرحلة الثالثة،2011 جاءت نتيجة التراكمات السابقة، فجاءت أشد من المرحلتين السابقتين بصعود جماعة الحوثي، وهو ما مثل انتقالًا نوعيًا من الصراعات التقليدية إلى امتلاك قدرات عسكرية ذات تأثير إقليمي شملت الصواريخ والمسيّرات، بما جعل مسرح العمليات يتجاوز الحدود اليمنية إلى الممرات البحرية والمنشآت الاقتصادية الحيوية.
السؤال ثم ماذا بعد ؟
والى اين ستنتقل وستذهب العلاقة؟
الرسالة : يا اخواننا بالمملكة أن الأمن الإقليمي لا يُدار بالأدوات ذاتها ولا بالعملية نفسها؛ فالتجربة تؤكد على نقطتين :
النقطة الأولى :
أن الأدوات التي كانت تحقق توازنًا مؤقتًا لم تنتج إلا تحديات استراتيجية طويلة الأمد.
النقطة الثانية :
أن الاستعانة بجماعات وطوائف لتنفيذ سياساتها وتحطيم الدولة ليس حلا ؟
فالرهان على موازين القوى المؤقتة أو الفاعلين غير الرسميين سيعمل على إختلال توازناته الداخلية وسينعكس مباشرة على أمن المنطقة بأسرها.
المعالجات بهذه الطريقة ستفتح الباب مستقبلا لأمام مواجهات مباشرة ذات كلفة استراتيجية باهظة على الطرفين وماذا تبقى للمرحلة القادمة الا أن :
تشتبك الدولتين بيت بيت دار دار محافظة محافظة وربما اذا وجدت أسلحة ما بعد الصواريخ والسلاح التقليدي ستستخدم وآن الاوان لإنهاء هذا العداء.
ثانيًا: رسالة إلى جماعة الحوثي... لا أحد يحكم اليمن وحده
لخص السفير الفرنسي السابق لدى اليمن، جان ماري صفا، والمعروف بتصريحاته المثيرة للجدل حيث قال :
"أن الحوثيين يضيعون الفرصة على سلطتهم بسبب إهدارهم فرص السلام، وأن انغلاقهم الأيديولوجي ورفضهم للآخر يعرقلان أي تسوية وطنية، كما أكد أن خطابهم لا ينسجم مع ممارساتهم، وأن اليمن لا يمكن أن يُحكم من طرف واحد، بل بدولة تتسع لجميع أبنائه.
وهذه ليست ملاحظة دبلوماسية فحسب، بل خلاصة يؤكدها التاريخ اليمني ذاته؛ فمنذ عهد الأئمة وصولاً إلى العصر الجمهوري الحديث، أثبتت التحولات الاستراتيجية في اليمن أن كل سلطة حاولت الانفراد بالحكم بناءً على فائض القوة العسكرية، انتهت إلى الفشل.
واصطدمت بحتمية الجغرافيا والتعددية الاجتماعية؛ إذ لم تستطع أي بندقية في تاريخ اليمن أن تلغي الشراكة الوطنية.
لقد كان من أكثر الأخطاء الاستراتيجية عند أي جماعة هو كلفة الاعتقاد بأن التفوق العسكري يمنح شرعية سياسية دائمة.
متناسية ان القوة وكما هو معلوم بعلم السياسة والاستراتيجية لها جانبان :
الجانب الأول:
إن كثرة عرض القوة يفقدها هيبتها ويكسر حدتها، ويحفز الخصوم تاريخياً على بناء تحالفات مضادة لكسر هذا الاحتكار.
الجانب الثاني:
قد تفرض القوة واقعًا مؤقتًا، لكنها لا تبني دولة، ولا تؤسس سلامًا، ولا تنتج قبولًا وطنيًا.
واليوم، على الحوثي أن يدرك من خلال القراءة التحليلية لصراعات القوى الكبرى أن من يدخل بحرب لن يخرج منها
وأن المواطن اليمني لا طاقة له بحرب تحول اليمن إلى نسخة أخرى من أوكرانيا، تُستنزف فيها الأرض والإنسان لعقود في معركة ليست معركة اليمن أصلًا.
ويظل التحدي الأكبر أمام أي مشروع يسعى لحكم اليمن هو : سؤال الشرعية المجتمعية المرتكز على أبعاد نفسية وتاريخية؛ فكيف ستُدار دولة وما زالت آلاف الأسر وكل بيت فيها تحمل ذاكرة قتيل أو جريح أو مفقود او خراب معمل أو منشأة؟
وكيف سيُبنى استقرار دائم في ظل انقسام اجتماعي عميق؟ إن الدولة لا تقوم على الغلبة وحدها، بل على المصالحة والعدالة وقبول الآخر، وهي المبادئ التي لا غنى عنها لأي سلام مستدام.
ثالثا الرسالة للشرعية
الشرعية تحتاج لقراءة لمسار شرعيتها منذ نشأتها، وما اعتراها من تحولات واختبارات تاريخية وسياسية.
وسنحتاج لحلقة ثانية لنمتطي صهوة التاريخ، ونستحضر شهادات الأحياء، بل ونستنطق الاموات لنفهم كيف وصلت الشرعية إلى ما هي عليه اليوم وماذا فعلت بنفسها ووطنها