الأحد 04 أكتوبر ,2026 الساعة: 04:55 مساءً
لا يخفى على متابع للمشهد اليمني كيف استغل المشروع الحوثي، المتدثر بالدعم الإيراني والمستفيد من تعقيدات السياسة الإقليمية والدولية في مراحل سابقة، حالة الإرباك والتمدد حتى وصل إلى حالة أتوهم أنها الذروة. طوال سنوات، تم تعاطي هذه الجماعة بمنطق الفرض والواقع، غير مبالية بما يُقال عنها كمليشيا خارجة عن نطاق الدولة والقانون، ومستفيدة من سياسة الوعود والمماطلة التي لا تتعدى كونها كسباً للوقت.
غير أن المشهد اليوم وما يجري في تعز بصفة خاصة، يرسل إشارات واضحة إلى أن البوصلة قد بدأت تتجه نحو مسار آخر مختلف تماماً عن المراحل السابقة. إن ما نراه اليوم ليس مجرد مواجهة ميدانية، بل هو إعلان عن بداية الانحدار الوشيك لهذا المشروع الحبيس لرهاناته الخارجية.
يتشكل هذا التحول المفصلي من جبهتين أساسيتين:
الداخل اليمني والإيمان بالعدالة:
ينطلق هذا التحول أولاً وقبل كل شيء من الإيمان الراسخ لدى اليمنيين بعدالة قضيتهم، ويقينهم بأن استعادة الدولة ليست خياراً تفاوضياً بل ضرورة وجودية. يستند هذا الإيمان إلى مدد إلهي، ويقين بأن الله لا يحب الفساد ولا يرضى للظلم أن يستمر، وأن إرادته فوق كل تدبير.
الموقف الإقليمي والدولي:
يبدو أن الإقليم والعالم قد وصلا إلى نقطة اليقين الحاسمة: لا يمكن السماح ببقاء وضع ملتهب يهدد اثنين من أهم المضايق المائية في العالم—هرمز وباب المندب. لقد أثبتت التجربة أن الوعود والعهود المقترنة بالدعم الإيراني لا يمكن الوثوق بها، وأن سياسة المهادنة لم تزد المنطقة إلا اضطراباً.
وفي هذا السياق، يأتي خطاب فخامة رئيس مجلس القيادة الرئاسي، الدكتور رشاد العليمي، والإعلان عن بدء العمليات العسكرية، ليعكسا مرحلة جديدة من الجدية الحقيقية. مثل هذه الخطوات الشجاعة والدقيقة تعبر عن تنظير سياسي وعسكري متكامل، ولا تمضي إلا بالتوازي مع قناعة إقليمية ودولية راسخة بضرورة إنهاء هذا الملف الذي أرهق اليمن والمنطقة، ووُصلت آثاره السلبية إلى الاقتصاد والتجارة العالمية.
إن ما شهدناه خلال الفترة الماضية لم يكن ضعفاً، بل كان صُبراً استراتيجياً من الشرعية والإقليم، تبيّن من خلاله لكل الأطراف استنفاد كافة فرص الحلول السلمية. واليوم، يتصدر الحماس وتوحيد القرار والهدف المشهد اليمني؛ لتصبح استعادة مؤسسات الدولة ورفع المعاناة عن كاهل المواطنين المطلب والأولوية الأساسية التي لا رجعة عنها.
إن التاريخ يعلمنا أن المشاريع القائمة على القهر والارتهان للخارج تحمل في أحشائها بذور فنائها، وعندما تتفق إرادة الشعب الحقة مع حتمية العدالة، يكون انحسار الباطل مسألة وقت لا أكثر.