الأربعاء 14 أكتوبر ,2026 الساعة: 03:18 مساءً
أعادت المواجهات العسكرية التي شهدتها اليمن خلال سبتمبر وأكتوبر 2026 قضية تجنيد الأطفال إلى الواجهة، مع ورود تقارير عن مقتل أطفال جرى تجنيدهم في صفوف مليشيا الحوثي المصنفة جماعة إرهابية، ووقوع آخرين في الأسر، وانقطاع أخبار بعضهم عن أسرهم بعد إرسالهم إلى جبهات القتال.
وفي 30 سبتمبر الماضي، أعلنت وزارة حقوق الإنسان اليمنية مقتل ما لا يقل عن 100 طفل قالت إن الحوثيين جنّدوهم وأرسلوهم إلى جبهات القتال خلال الشهر. وأوضحت الوزارة أن الحصيلة استندت إلى أسماء ومعلومات وصور حصلت عليها عقب مقتل الأطفال، مشيرة إلى أن البيانات لا تشمل جميع الحالات.
وفي سياق متصل، نقل التقرير عن مسؤول في مكتب رئاسة الجمهورية قوله إن الجهات المعنية وثّقت 62 حالة تجنيد لأطفال خلال الربع الثاني من العام في مناطق خاضعة لسيطرة الحوثيين. ويتعلق الرقمان بفترتين مختلفتين وبنوعين متباينين من الحالات؛ إذ يشير الأول إلى أطفال قُتلوا، بينما يتعلق الثاني بحالات تجنيد، ما يستدعي الفصل بينهما عند تقدير حجم الظاهرة.
قتلى وأسرى ومفقودون
بحسب التقرير الميداني الصادر عن مركز المخا للدراسات الاستراتيجية، رُصدت حالات لأطفال قُتلوا أو وقعوا في الأسر أو انقطعت أخبارهم خلال المواجهات في جبهات الساحل الغربي وتعز ومأرب والجوف. واستند الرصد، وفق المركز، إلى إفادات أسر ومعلومات عن أسرى أعلنت القوات الحكومية وقوعهم في قبضتها، إلى جانب مراجعة بيانات رسمية وتقارير حقوقية متاحة.
وقدّر التقرير عدد الأطفال الذين قُتلوا أو أُسروا أو فُقدوا خلال المواجهات الأخيرة بنحو 200 إلى 250 طفلًا، لكنه أشار إلى غياب حصيلة شاملة تتحقق من هويات الحالات وأعمارها ومصيرها. ويظل هذا التقدير بحاجة إلى نشر بيانات تفصيلية تتيح التحقق المستقل من الحالات، وتحديد مدى وجود تداخل بين قوائم القتلى والأسرى والمفقودين.
ولا يعني انقطاع أخبار الطفل بالضرورة مقتله أو وقوعه في الأسر؛ إذ يتطلب تحديد مصيره مطابقة بلاغات ذويه مع قوائم القتلى والأسرى والمعلومات الواردة من الجبهات، والتحقق من الأسماء والأعمار ومناطق الإقامة.
مراكز التعبئة ومسارات الاستقطاب
يشير التقرير إلى أن استقطاب الأطفال يبدأ، في بعض الحالات، من أنشطة التعبئة والمراكز الصيفية التي تنظمها جماعة الحوثي، وقد يتطور إلى إرسال بعضهم إلى جبهات القتال. كما يطرح الفقر وتدهور الأوضاع المعيشية بوصفهما عاملين قد تستغلهما الجماعة لاستمالة الأطفال وأسرهم، عبر وعود بالدعم أو تقديم الالتحاق بأنشطة التعبئة في صورة تعليمية وثقافية.
غير أن تحديد مدى انتشار كل أسلوب من أساليب التجنيد، بما في ذلك الإغراءات المالية أو الإكراه والاختطاف، يتطلب توثيقًا مستقلًا لكل حالة، ومقابلة إفادات الأسر والأطفال مع الأدلة المتاحة. ولا تكفي الحالات الفردية وحدها لتحديد مدى شيوع نمط معين أو تعميمه على جميع الأطفال المجندين.
وتتضاعف مخاطر هذه الممارسات عندما ينتقل الأطفال من أنشطة التعبئة إلى المشاركة المباشرة في القتال، حيث يصبحون عرضة للقتل والإصابة والأسر، فضلًا عن حرمانهم من التعليم والحياة الأسرية الطبيعية.
مشاهد الأسرى وأسئلة التحقق
أشار التقرير إلى مقاطع مصوّرة قال إنها تُظهر أطفالًا يقاتلون في صفوف الحوثيين وآخرين وقعوا في الأسر خلال المواجهات. وقد تثير هذه المقاطع أسئلة بشأن أعمار من يظهرون فيها، والجهات التي أرسلتهم إلى الجبهات، والظروف التي سبقت مشاركتهم في القتال.
لكن التقييم المهني لهذه المواد يتطلب التحقق من تاريخ تصويرها ومكانه وهوية الأشخاص الظاهرين فيها وأعمارهم، وعدم الاعتماد على المظهر وحده لإثبات أن شخصًا ما طفل. كما ينبغي مراعاة سلامة الأطفال وخصوصيتهم، وتجنب نشر بيانات أو صور قد تعرّضهم أو أسرهم لمخاطر إضافية.
وإذا ثبت أن أطفالًا جرى تجنيدهم وإشراكهم في القتال، فإن ذلك يثير مسؤوليات قانونية وإنسانية تتعلق بحمايتهم، وضمان معاملتهم بما يتناسب مع أعمارهم، وعدم تعريضهم للاستغلال أو التشهير، والعمل على إعادتهم إلى أسرهم وتأهيلهم.
أسر تبحث عن مصير أبنائها
تمثل حالات الأطفال المفقودين جانبًا بالغ الحساسية من الأزمة؛ إذ تعيش أسرهم بين احتمالات القتل أو الأسر أو استمرار وجودهم في مناطق القتال، من دون معلومات مؤكدة. وتزداد صعوبة التحقق مع تعدد الجبهات وغياب سجل موحد يضم بيانات الأطفال المشاركين في المواجهات.
ويتطلب التعامل مع هذه الحالات إنشاء آلية موثوقة لمطابقة بلاغات الأسر مع قوائم القتلى والأسرى والمفقودين، وتوفير قنوات آمنة للاستفسار عن مصيرهم، مع حماية بيانات الأطفال وذويهم. كما أن نشر قوائم دقيقة، بعد التحقق منها، من شأنه الحد من تداول المعلومات غير المؤكدة وتخفيف معاناة العائلات.
مسؤولية الحماية والمساءلة
تكشف المعلومات الواردة في التقرير عن مخاطر إنسانية جسيمة مرتبطة بتجنيد الأطفال وإرسالهم إلى جبهات القتال، لكنها تكشف أيضًا عن فجوات في البيانات المتاحة بشأن الحجم الفعلي للظاهرة ومصير عدد من الأطفال. ولذلك، فإن بناء حصيلة موثوقة يتطلب توحيد قواعد الرصد، والتحقق من الأعمار والهويات، والفصل بين حالات القتل والأسر والفقدان والتجنيد، وإتاحة المعلومات للمراجعة المستقلة قدر الإمكان.
وتقع على عاتق الجهات المعنية مسؤولية العمل على وقف تجنيد الأطفال، والكشف عن مصير المفقودين، وحماية الأطفال الأسرى، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات التي تثبتها التحقيقات. كما تتطلب معالجة آثار التجنيد توفير الدعم النفسي والاجتماعي للأطفال المتضررين، ومساعدتهم على العودة إلى التعليم والحياة الأسرية، وحمايتهم من إعادة الاستقطاب.
فالأطفال الذين يصلون إلى جبهات القتال لا يتحملون وحدهم عواقب الحرب؛ إذ تمتد آثار تجنيدهم إلى أسرهم ومجتمعاتهم، وتستمر بعد توقف المواجهات. وبين الأرقام المعلنة والتقديرات الميدانية والبلاغات التي تنتظر التحقق، تبقى الأولوية لتحديد مصير كل طفل، وتوثيق ما تعرض له، وضمان حمايته ومنع تكرار استغلال الأطفال في النزاع المسلح.