قُمْري تعز: مَنْ أخجلك بالشمسْ مَنْ؟ تحليلٌ بلاغيّ لا سياسي!
السبت 17 أكتوبر ,2026 الساعة: 04:39 مساءً

قُمْري تعز لمو هربت مني؟
لافي معي آلي ولا أسكي ارمي!

تعزُ، في وعي طفل في العاشرة من عمره، كانت مدينة جميلة ينقصها شيء واحد: المراوح. أمسى يزعجه أن أسقف بيت عمه في وادي المدام بلا مراوح، وهو الذي فتح وعيه عليها في عدن، حيث ألف الهواء المتحرك حتى صار جزءا من بداهات الحياة.

 لم يكن يدري أن الزمن سيعيد ترتيب مقاييسه، وأن المدينة التي قاسها يوما بما ينقصها من أسباب الراحة ستغدو مدينة تبحث عن أسباب البقاء. ولا أظن ذلك الطفل كان يتخيل أن الأغنية التي ستسكن ذاكرته، وتمنح تعز قمرا يخجل الشمس، ستصبح يوما مرآة ساخرة لمدينة تحاصرها النيران.

(قُمْري تعز من أخجلك بالشمس من؟)

ليست أغنية عبدالغفور الشميري غزلا بامرأة تعزية فاتنة بقدر ما هي بناء رمزي لمدينة وهوية. فالقمر ليس زينة شعرية؛ إنه استعارة للجمال والحضور والاعتزاز بالمكان، والشمس قوة ظاهرة تتراجع أمام سطوعه. أما رائحة المشاقر، والألحان، والخطوة المتناغمة، فتنسج صورة مدينة لا تُرى فحسب، إنما تُشم وتُسمع وتُعاش.

قُمْري تعز ياورد في البساتين
شغزي عليك لو زربوا سكاكين

ولعل سر الصورة يكمن في كلمة (قُمْري) نفسها. فإذا أخذناها بوصفها تصغيرا للقمر، لا إحالة إلى الطائر المعروف بالاسم نفسه، وجدنا مفارقة لغوية لافتة: تصغير في الصيغة وتكبير في الدلالة. فالتصغير في العربية قد يكون تحببا وتقريبا، لا تقليلا من المكانة والجلال.

قُمْري تعز ياغصن قات خلقه
كيف اعملك والناس عليك حلقه
وهنا تضيء نظرية الاستعارة المفهومية الصورة: نحن لا نصف الجمال بالقمر فحسب، بل نفهمه من خلاله؛ نستعير منه الضوء والعلو والفتنة، ثم نسقطها على المحبوب والمدينة. هكذا تتحول الجغرافيا إلى عاطفة، والانتماء إلى امتلاك رمزي للجمال. وليس غريبا، إذن، أن تتعدد الأقمار: قُمْري تعز، وقُمْري صنعاء، وقُمْري عدن. وقُمْري جحاف.. وقد تغنى أيضا الشميري بكلهم، فاتسعت السماء الشعرية لأكثر من قمر.

ويبدو أن السماء اليمنية لا تعاني نقصا في الأقمار، بل فائضا في حقوق الملكية الشعرية؛ فلكل شاعر قُمْريه، ولكل مدينة دعوى بأنها الأجمل.

لكن ماذا يحدث حين تصطدم هذه السماء الشعرية بواقع الحصار؟ مع قطع الطرق، واقتراب المعارك من جبل هان والضباب والأقروض، والقصف ونقص الغذاء والوقود وارتفاع الأسعار، تنقلب الاستعارة على نفسها.

قُمْري تعز ياعطر فوق زنه
شاغزي عليك لداخل المجنة

(من أخجلك يا الشمس من؟ لما شرق قُمْري تعز).

كان القمر يخجل الشمس بضيائه؛ أما اليوم، فقد صارت الشمس نيران المدفعية، وغدا القمر محاصرا في ليل لا يحتاج إلى غروب كي يظلم. الكهرباء غائبة، والماء شحيح، والمدينة تنتظر أبسط شروط الحياة. من كان يخجل الشمس صار هو المخجول، ومن كان يشرق صار يُطلب منه أن يكتفي بظله.

(ومن عطرك يا العطر من؟ لما عبق قُمْري تعز).

كان العطر انتشار الحضور، وكانت المشاقر تختصر علاقة المكان بذاكرة أهله. أمّا الآن، فيزاحم الشذا دخان البارود ورائحة الجوع والخوف. لم يعد السؤال عن مصدر العبير، بل عما بقي من مكان يسمح له بأن يفوح.

وفي (من ريّحن الألحان من؟)
كانت الخطوة اليومية موسيقى، وكان الزمن لحنا. واختلطت الخطى في زمنهم بخطوات النازحين والباحثين عن الغذاء والمأوى، وصار الإيقاع انتظارا بين وصول الإمدادات والانفجار التالي.

وتبلغ المفارقة ذروتها في (قُمْري إذا قفّى ذهل، وإن لفت طرفه قتل).
كان القتل مجازيا، فتنة تسلب القلب والعقل؛ وفي زمنهم انتقل من العين إلى المدفع، ومن المجاز إلى أجساد المدنيين. لم تعد المدينة تخشى أن يسلب جمالها عقول العشاق، بل أن يسلبها الحصار أهلها وحياتهم.

(مفاتنك تُحني رقاب لو ترتدي مليون حجاب،

كذاب من يحجب شهاب).

كان الشاعر يتحدى من يحجب الجمال، لكن الحجاب في زمنهم طريق مقطوع وبيت مهدد ومدينة تحاول النار أن تحجبها عن الحياة. وهنا لا يعود الحصار استهدافا للمكان وحده، بل لمحاولة انتزاع صورته من ذاكرة أهله؛ أن يتحول القمر الذي كان يخجل الشمس إلى ظل تحت نيرانها.

وأعود إلى الطفل الذي كنته وتنقصه المراوح. أي مفارقة أن يكبر ليكتشف أن ما حسبه يوما نقصا في أسباب الراحة لا يُقارن بما يُنتزع من مدينته الآن! يومها كان يريد هواء يخفف الحر وليس ثمة حر؛ أما اليوم، فماذا يطلب ا من تعز سوى نافذة لا يخترقها القصف، وطريق لا يتحول إلى فخ، وليل لا يخاف فيه الناس من انطفاء الضوء ولا من اشتعاله؟

لعل المسافة بين الطفل ومجيب الرحمن الكهل ليست مسافة العمر وحده، بل المسافة بين مدينة يمكن التذمر من تفاصيل الحياة فيها، ومدينة صار البقاء فيها معجزة يومية. لذلك لم تعد الأغنية ذكرى عاطفية؛ إنها محاكمة للواقع باسم طفولة عرفت تعز جميلة، قبل أن تتعلم كيف يكون الجمال محاصرا.
ومع ذلك، لا أظن أن (قُمْري تعز) مات. لقد تبدلت دلالة القمر: ما كان غزلا صار رثاء ساخرا، وما كان جمالا يقتل مجازا صار جمالا مهددا بالقتل حقيقة. وكلما تذكرت ذلك الطفل الذي اشتكى من غياب المراوح، سألت نفسي: هل كان يعرف أنه سيكبر ليخاف على مدينته من غياب الهواء نفسه؟

(قُمْري تعز) ما زال يغني، أو لعلنا نتمسك بصوته كي لا نسمع صمت المدينة. لم يعد السؤال: من أخجل الشمس؟ بل: من أقنع الشمس أن من حقها أن تحرق القمر، ثم ترك طفلا كبر على حبّه يبحث عن مروحة في بيت، وعن حياة في مدينة.
قُمْري تعز ياشخط وسط دفتر
شاجي انظرك باليوم ألف مخطر


Create Account



Log In Your Account