حين يصبح راتب الجندي خطراً على حياته
الثلاثاء 20 أكتوبر ,2026 الساعة: 09:32 مساءً



ما حدث لأبنائنا في شبوة من استهداف حوثي إجرامي يفتح من جديد ملف الفشل في حماية الجنود. يوم الاثنين 19 أكتوبر 2026، استُهدف مركز الشهيد أحمد السليماني التدريبي في معسكر العَلَم بمديرية جردان، شمال عتق، بثلاثة صواريخ باليستية. وبحسب محافظ شبوة، الحصيلة ارتفعت إلى 73 قتيلاً وأكثر من 200 جريح من المجندين المستجدين، وأن الاستهداف وقع أثناء اصطفافهم للتدريب.

هذه الفاجعة تفرض سؤالاً لا يجوز الهروب منه: لماذا نستمر في جمع أبنائنا بهذه الأعداد دون حماية كافية، في وقت حرب، وعدوهم يتربص بهم ويستهدف تجمعاتهم بالصواريخ والطائرات المسيّرة؟

وبصراحة، أنا لا أقتنع بأن الحديث عن التدريب وحده يغلق ملف أسباب التجمع بهذا العدد. بل أن له ارتباطه بصرف الرواتب والمستحقات احتمال جدي يجب كشف حقيقته، وأخشى أن يصبح الاكتفاء برواية التدريب وسيلة للتهرب من مناقشة المشكلة الأساسية: فرض الصرف بالكاش، وإجبار أصحاب الحقوق على الحضور لاستلام أموالهم.

الموضوع يمكن التحقق منه. افتحوا سجلات الصرف والحضور والتعليمات الصادرة للمجندين، ووضحوا للناس: هل كانت هناك رواتب أو مستحقات تُصرف في المركز؟ هل طُلب منهم الحضور لاستلامها؟ ومن أصدر التعليمات؟ الإجابة تكون بالسجلات والأدلة، لا ببيان ينتهي عند كلمة «تدريب».

بيان السلطة المحلية وصف الضحايا بأنهم مجندون مستجدون في الأمن الداخلي بمحافظة شبوة. وهذا يستدعي تحديد تبعية المركز وتسلسل قيادته ومسؤوليات حمايته بوضوح. وتتحمل جميع الجهات المعنية مسؤولية كشف الحقيقة والحماية والمحاسبة: الحكومة، ووزارتي الدفاع والداخلية، والقيادات العسكرية والأمنية، والسلطة المحلية، كل بحسب موقعه واختصاصه. لا يجوز أن تضيع المسؤولية بينها، أو تتحول تبعية المركز إلى مخرج يتنصل به الجميع.

ومن هنا، يجب فتح ملف الصرف النقدي في كل مؤسسات الدولة. من غير المعقول أن نكون على مشارف العام 2027، ولا زلنا نصرف رواتب منتسبي الدفاع والأمن والموظفين نقداً، عبر أمناء الصناديق داخل المعسكرات والمكاتب. صاحب الحق يترك مكانه، ويتحمل مشاوير وتكاليف وانتظار، حتى يصل إلى سعادة الباشا صاحب المعالي أمين الصندوق، ليستلم راتبه الذي هو حقه أصلاً، وكأنه جاء يطلب صدقة أو مكرمة.

لماذا كل هذا؟ لماذا لا يصل راتب الجندي أو الضابط أو الموظف إلى حسابه البنكي مباشرة؟ ما الضرورة التي تستدعي حضوره شخصياً ووقوفه وسط تجمع كبير ليستلم مستحقاته؟ وبالنسبة للجنود تحديداً، لماذا نفرض عليهم تجمعات إضافية يمكن تجنبها، ونحن نعرف أنها قد تصبح هدفاً سهلاً لصواريخ الحوثي؟

الإصرار على إبقاء الصرف بالكاش يبقي الباب واسعاً للفساد والانتفاع من حقوق الناس. هناك من يستفيد من بقاء الراتب تحت يده، ومن التحكم في موعد صرفه، ومقداره، وما يُخصم منه، ومن يستلمه ومن لا يستلمه. وكلما كانت العملية معقدة وغامضة، زادت مساحة التلاعب، وصار صاحب الحق آخر من يعرف أين ذهبت مستحقاته.

تجميع الجنود من أجل صرف رواتبهم في وقت حرب خطأ استراتيجي وإداري وأمني. الراتب يفترض أن يساعد الجندي على إعالة أسرته وأداء واجبه، لا أن يتحول استلامه إلى رحلة مكلفة وخطر إضافي على حياته. وحين يفرض إجراء مالي تجمعاً يمكن تجنبه، فإن تبعاته تتجاوز الأموال والمستحقات إلى سلامة الناس وأرواحهم.

الحوثي مسؤول عن استهداف الجنود وقتلهم، وهذه مسؤولية واضحة لا يعفيه منها شيء. وفي الوقت نفسه، من واجب القيادة أن تتخذ الاحتياطات التي تحمي أبناءنا، وأن توقف الإجراءات التي تعرضهم لخطر يمكن تجنبه. لا يكفي أن نعرف أن العدو مجرم، ثم نستمر في إدارة شؤون جنودنا بالطريقة نفسها، وكأن أرواحهم لا تستحق تغيير إجراء مالي متخلف.

المطلوب قرار عام وملزم بأن يكون الأصل في صرف الرواتب والمستحقات والنفقات هو التحويل عبر البنوك، في الدفاع والداخلية وسائر الوزارات والهيئات والمؤسسات والسلطات المحلية. من أعلى مسؤول إلى أصغر موظف أو جندي، يجب أن تكون المستحقات واضحة، والتحويلات موثقة، والمال قابلاً للتتبع والمراجعة.

حولوا كل مستحقات الجنود والضباط إلى حساباتهم البنكية مباشرة. رواتبهم وبدلاتهم وأي مستحقات فردية تخصهم. ووفروا لهم وسائل فعلية للوصول إلى أموالهم وسحبها من أماكن متعددة، دون أن نعيد تجميعهم في طابور آخر أمام أحد أصحاب المعالي أمناء الصناديق .

وفي الوقت نفسه، اربطوا الصرف بسجلات أفراد مدققة، وهوية موثقة، ومراجعة فعلية للكشوفات. التحويل البنكي وحده لن ينهي الفساد، لكنه يجعل حركة الأموال أوضح وأسهل في التتبع، ويساعد على كشف الأسماء الوهمية والصرف المكرر، والتأكد من أن المستحقات وصلت إلى أصحابها.

أما النفقات التشغيلية، فلتُدفع للمستفيدين والموردين بتحويلات موثقة، ويُحصر النقد في الضرورات الفعلية، وبسقوف واضحة ورقابة حقيقية. لا يعقل أن تظل الأموال العامة تتحرك في أكياس، ثم نبحث عن مستندات تبرر أين ذهبت.

لم يعد مقبولاً أن ندفع ثمن الفشل من أموال الجنود وأعمارهم وسلامتهم. ولا يجوز أن تمر كل كارثة بتعزية وبيان إدانة، ثم يبقى النظام نفسه، والإهمال نفسه، والمستفيدون أنفسهم. نريد تحقيقاً معلناً يكشف ملابسات التجمع والاستهداف، ويحدد إجراءات الحماية التي اتُّخذت أو أُهملت، ويحاسب كل من يثبت تقصيره، مهما كان منصبه.

من الآخر كذا: من يصر على إبقاء رواتب الناس تحت يده، ويعطل تحويلها إلى حساباتهم رغم توفر البديل، حفاظاً على مصلحته ونفوذه، فهو ليس الا فاسد ومنحط، ولا يستحق أن يؤتمن على ريال واحد من حقوقهم.

أرواح أبنائنا أغلى من امتيازات أمين صندوق، وأغلى من مصالح أي قائد أو مسؤول. ومن واجب الدولة أن توصل للجندي حقه، وتحفظ كرامته، وتحمي حياته.


Create Account



Log In Your Account