النفايات كمصدر للوباء والكارثة
الأربعاء 23 ديسمبر ,2020 الساعة: 08:08 مساءً
مازن فارس - صوت إنسان

يندب سالم علي (85 عامًا)، حظه بعد أن أصبح جارا لمكبّ النفايات الوحيد في مدينة تعز (جنوبي غرب اليمن) منذ نحو خمسة أعوام.

أفنى سالم عمره وهو يستنشق هواءً عليلًا من الطبيعة التي تُهدي انبعاثات زكيه – كما يقول- حتى اُستُحْدِثَ في المنطقة مَكبّ النفايات ليتلطخ الجو بالدخان الناجم عن إحراق المخلفات.

العشرات من سكان المناطق المجاورة للمكبّ باتوا يعانون من ضيق في التنفس بمن فيهم "سالم" الذي لم يكن يومًا يُحِسُّ بصعوبة بالغة في التنفس، حد تعبيره.

يقع مكب النفايات على تَّل كان حتى اندلاع الحرب في البلاد منتزه يُعرف بـ “حدائق الصالح” المطلة على منطقة الضباب وسد الجبلين في المدخل الغربي لمدينة تعز، يأتيه الزوار للترويح عن أنفسهم قبل أن يصبح ثكنة عسكرية بفعل الأهمية الاستراتيجية التي يكتسبها المكان.

ينظر سالم بحسرة نحو التّل المغطى بالنفايات الصلبة واصفًا المنظر بـ "غير حضاري"، مستدركًا بالقول لـ "صوت إنسان" إن الحرب الدائرة فرضت واقع لم يكن في الحسبان، ودمرّت الأماكن الجميلة وحولتها إلى خراب أو نفايات.

ويضيف: "نريد حلًا لهذه المشكلة التي أضرّت بصحتنا وجلبت لنا أمراض نحن في غنى عنها، نريد أن نتنفس هواء نقي كما كُنّا في السابق".

كارثة بيئية

يشكو السكان القريبون لمكبّ النفايات، من انبعاثات الروائح الكريهة التي تزورهم يوميًا برفقة سحابة من الدخان الناتج عن تحلل المخلفات.

"المقهاية، الميهال، عقاقة، الجُبالي، والضباب" كل تلك أسماء لقرى أصبحت معظمها آهلة بالسكان؛ في حين أن هناك بعض المناطق لا سيما القريبة من المكبّ بدأ التوسع العمراني يزحف نحوها.

يقول مجيد مهيوب أحد سكان منطقة الضباب، إن مكب النفايات بات يهدد بكارثة بيئية وصحية معًا خصوصًا وأنه يتوسط العديد من المناطق الحيوية بالسكان.

يشير في سياق حديثه لـ "صوت إنسان"، إلى أن سكان القرى المجاورة لمقلب المخلفات باتوا يستنشقون هواء ملوث بالدخان السام الذي يعد مصدر رئيس لعديد من الأمراض، فضلًا عن تحول المنطقة إلى موطن لتجمع القوارض والحشرات التي تنقل السموم.

من وجهة نظر مهيوب، فإن استحداث مقلب النفايات في منطقة كالضباب "قرار غير مسؤول" لا سيما وأن المنطقة باتت تمثل حاليًا المتنفس الوحيد لسكان المدينة ووجهة الكثير من الأسر للترويح عن نفسها.

بديل ومؤقت

يوميًا؛ تُفرغ الناقلات الخاصة بالنفايات أكثر من 500 إلى 600 طن من المخلفات المختلفة، والتي يتم جمعها من عبّارات (مجاري) المياه والجسور والسوائل والشوارع في مركز مدينة تعز، وفق مدير مقلب النفايات محفوظ عبدالله.

يقول لـ "صوت إنسان"، إن المقلب يُعد هو الأقل ضررًا والبعيد نسبيًا عن كثافة السكان. لافتًا إلى أنه مقلب بديل ومؤقتا رغم أنه غير صحيح من الناحية البيئية "إلا أنه أنقذ 5 مليون مواطن داخل مدينة تعز محاصرين بالأوبئة والأمراض"، حد تعبيره.

يرى عبدالله أن الحل لتجنيب السكان الأضرار الصحية والبيئية الناتجة عن النفايات يكمن في "فتح المقلب الرئيسي الخاضع تحت سيطرة الحوثيين في منطقة مفرق شرعب خارج مدينة تعز".

أضرار صحية

الكثير من المشاكل الصحية التي تسببها الأدخنة الناتجة عن حرق النفايات، أبرزها أمراض تؤثر على الجهاز التنفسي وتُعرض المصابين بها لخطر الإصابة بفيروس كورونا (كوفيد-19)، بحسب الدكتور آدم الجعيدي – وهو طبيب عام.

وأوضح الجعيدي، أنّ خلايا الرئتين عندما تصاب بالإنهاك جراء الأدخنة تكون أكثر عرضة للالتهابات والإصابة بالفيروس. مشيرًا إلى أن مقلب المخلفات يعد مصدر رئيس لعديد من الأمراض مثل "الكوليرا ونمو البكتيريا والفيروسات".

يصف الجعيدي الفضلات الطبية الخاصة بالمستشفيات بـ "الكارثة الكبرى"، مضيفًا لـ "صوت إنسان"، أن "كيس واحد من مخلفات أحد مراكز العزل الصحي يعتبر قنبلة بيولوجية، خصوصًا وأن المخلفات تذهب إلى مقلب النفايات دون حرقها بالشكل الصحي وبطرق آمنة".

وتتمثل مخلفات الرعاية الصحية بـ "المحاقن، والإبر، والمباضع والشفرات الوحيدة الاستعمال، واللقاحات المنتهية الصلاحية والتي منها أيضا المواد الكيميائية المستعملة في الطب مثل المواد المطهّرة والعقاقير السامة لاسيما المُستخدمة لعلاج السرطان" وفقًا لمنظمة الصحة العالمية.

نصائح

وللتخلص من الفضلات الطبية، ينصح الجعيدي باتباع طريقة الحرق الصحي والترميد، من خلال وضع محارق طبية في المستشفيات، بدلًا من العشوائية في إدارة المخلفات وتحويل الشوارع إلى بؤرة للأوبئة.

وأوضح أن المحرقة الطبية قادرة على حرق كمية كبيرة من النفايات وتحويلها إلى رماد، وتتجاوز درجة حرارتها 3 آلاف درجة مئوية.

ويشير إلى أن بقية النفايات الصلبة الأخرى يمكن التخلص منها عن طريقة الفرز وإعادة التدوير أو الطمر الصحي.

والنفايات الصلبة تتمثل بمخلفات المنازل والمطاعم والمواد الناتجة عن ممارسة الأنشطة الصناعية المختلفة، والأنشطة الزراعية النباتية، والحيوانية، وفضلات الحيوانات، ونفايات المسالخ.

أرقام

يقدر إنتاج النفايات يوميًا في اليمن بحوالي 5.55 – 0.65 كليو غرام للفرد في المناطق الحضرية و0.3-04 كلغ للفرد في المناطق الريفية، مع زيادة سنوية متوقعة من 3 بالمائة على المستوى الوطني، الناجمة عن النمو السكاني وزيادة تدفقات الهجرة الداخلية من الريف إلى الحضر، بحسب تقييم طارئ لحالة النفايات باليمن أجراه برنامج الأمم المتحدة الانمائي، في أغسطس 2015.

وذكر أن معدلات جمع النفايات بلغت 65% في المدن الكبرى و5% في المناطق الريفية، لافتًا إلى أن هناك أكثر من 50 مصنع مسجل لإعادة التدوير في جميع أنحاء اليمن، يتلقون المواد القابلة للتدوير من خلال شبكة غير رسمية من "سماسرة النفايات" كما يسميها، بالإضافة إلى متاجر الخردة وعدد كبير من ملتقطي النفايات.

فيما يشير تقييم لمجموعة WASH (المنظمات غير الحكومية العاملة في مجال المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية في اليمن) أنه بين عامي 2014 و2018، انخفض الجمع المنهجي للنفايات من 65٪ إلى 43٪ في المناطق الحضرية ومن 5٪ إلى 4٪ في المناطق الريفية باليمن.

ويوضح أن حوالي 89 بالمائة ممن شملهم الاستطلاع (أكثر من 4 آلاف و500 أسرة) أنه لم يتم جمع القمامة المنزلية، وهو رقم يرتبط بزيادة معدلات الحرق في الهواء الطلق والإغراق.  فيما ثلث المستجيبين أفادوا بأنهم تخلصوا من نفاياتهم عن طريق الحرق أو الرمي، بينما قال أكثر من النصف إنهم تركوا نفاياتهم في الأماكن العامة متوقعين جمعها.


تنشر هذه المادة بالاتفاق مع منصة صوت إنسان


Create Account



Log In Your Account