جسدي ليس شماعة...!
الجمعة 19 فبراير ,2021 الساعة: 07:10 مساءً
سحر أحمد

على الرغم من وجود وثيقة شرف تقليدية في العرف القبلي، تدرج أي سلوك عنف من قبل الرجل ضد المرأة في لائحة "العيب الأسود" إلا أن هناك عنف خفي ممارس يتمثل في قمع حرية المرأة في اليمن، ومصادرة حقوقها، كما ما تزال الثقافة القبلية بعقليتها الذكورية أحد روافد النظرة الإقصائية للمرأة، وهي وفقًا لموروث العيب الأسود قد تمنح المرأة خصوصية تعاطف آنية، في حال كونها ضحية عنف ذكوري ظاهري، لكنها تمارس أضعافًا من العنف النفسي بانتزاع حقهن في الحياة بحرية وتضييق مساحة اختياراتهن.

ويمثل المجتمع القبلي ثلاثة أرباع التركيبة السكانية في اليمن، بينما تسود الأمية أكثر من نصف السكان، رغم كل الجهود التي بذلت على مدى العقود السابقة لمحوها، فبحسب تقرير الأمم المتحدة  2012 فإن 62% من اليمنيين أغلبهم من النساء لا يجيدون القراءة والكتابة، وقد أسهمت الأمية في تجميد موقع المرأة على هامش المجتمع وحالت دون تغييره.

وفي ظل واقع تتحكم بمآلاته ثلاثية التسلط على الجنس الناعم (الذكورية والأمية والأبوية) لا تعدو المرأة عن كونها رقمًا هامشيًا وصفرًا على الشمال، وحركتها محددة بمسطرة المجتمع ولا تتعدى حدود البيت الذي تسكنه.

كما يقتصر دور المرأة المجتمعي على التربية المنزلية بشكل أساسي، ويتقبلها المجتمع غالباً في حيز مهني ضيق في دائرة المشاركة الاجتماعية، كأن تكون معلمة بنات أو طبيبة نساء، لكن كون المرأة ربة بيت فهو الأفضل في نظرة غالبية مجتمعها.

وعلى الرغم من الخطوات المتقدمة التي حدثت على مسار تعزيز دور المرأة في المجتمع اليمني وتمكينها من المشاركة المجتمعية والسياسية، تمكنت 11 امرأة فقط، خلال العشرين سنة الماضية من الوصول إلى مجلس الوزراء وتقلدن حقائب وزارية مختلفة.

زاد الوضع تعقيدًا دخول اليمن على مدى العشر السنوات الماضية في دوامة من الصراع السياسي وعدم الاستقرار ثم الحرب، تمكنت خلالها جماعة الحوثي وهي قوة قبلية ذات توجه راديكالي متشدد من السيطرة على مدن حيوية حضرية كالعاصمة صنعاء والحديدة، لتعيد وضع المرأة إلى الوراء، وحقبة ما قبل اليمن الجمهوري الحديث وعصر الانفتاح على العالم.

وقاحة التناقض

في الوقت الذي تصارع فيه (ر. ش) -طالبة إعلام في جامعه الحديدة - مواكبة تحصيلها الدراسي وصقل مهارتها الإعلامية إلا أنها وجدت نفسها في مربع صراع غير متوقع، فعلى أبواب الجامعة تقف شرطة نسائية مسلحة، ممن يعرفن بالزينبيات (البوليس النسوي للحوثيين)،ليس من أجل حمايتها أمنيا، ولكن لتمشيط جسدها وتفحص حاجبيها وأظافرها، وما إذا كانت تستخدم المساحيق أو مستحضر تجميلي، كطلاء الأظافر وأحمر الشفاه.

تقول (ر) "الكلية تفتقر إلى إمكانيات أساسية فلا كراسٍ ولا طاولات تستوعب طلاب وطالبات الكلية، ولكن هذا ليس مهما بالنسبة لمليشيا الحوثي، ولا يمثل التعليم أولوية لها، إنها تركز اهتمامها على تتبع أدق الخصوصيات الشخصية للفتيات، بدعوى حماية الفضيلة، وهي تنظر إلى أحمر الشفاه كأحد معوقات النصر العسكري وعوامل تأخيره.

يبدو الوضع في صنعاء أشد قتامة، يقول (ع.م)أحد أعضاء هيئة التدريس في جامعة صنعاء: "تلقت الجامعة أوامر بمنع الاختلاط بين الجنسين، في الساحات والمطاعم وبوابات الدخول وحفلات ومشاريع التخرج، بل إن هناك شرطة نسائية مهمتها فقط منع أي لقاء بين الطالبات والطلاب، حتى لو كان بغرض المذاكرة أو البحث".

وطالت أغلال الرقابة والمضايقات تنقلات المرأة اليمنية بين المدن، لتتفاجأ منى الرشيدي (اسم مستعار) وهي صحفية من محافظة الحديدة بتحريات شديدة القسوة أمام ركاب باص النقل الجماعي، أثناء عودتها من ورشة تدريبية في صنعاء.

تقول الرشيدي أن ضابطًا حوثيًا من البحث الجنائي أوقف الباص وسألها عن محرمها، "وبعد أن عرف أني لوحدي، طلب مني الاتصال بوالدي للتأكد من أني خرجت بإذنه"، وتضيف: "أخذ الموبايل بقوة صارخًا على والدي الكهل ذي الثمانين عامًا: أنا من البحث الجنائي مع ابنتك"، "كاد والدي أن يصاب بجلطة فلم يستوعب ما يحدث!"، تقول منى.

وتؤكد الصحفية (ف.غ) من جهتها هذه المضايقات التي تعتبرها إمعانا في كبح حريات المرأة وطموحاتها المشروعة والمكفولة دستوريًا وهي ترى فيما تقوم جماعة الحوثي خطوة خبيثة متدرجة، بهدف إقصاء المرأة كليا من العمل العام والمشاركة المجتمعية!

تفاجأت (غ) هي الأخرى بامتناع إحدى شركات النقل البري الجماعي من قطع تذكرة لها من غير محرم (مرافق لها من الأقارب الذكور والمحدودين عائليًا)، لتشن على إثر التذكرة المحظورة حملة إلكترونية على مواقع التواصل الاجتماعي، تحت هاشتاج "لأنني امرأة".

من حق أي امرأة التنقل بين المدن بحرية، وهذا أحد حقوقها المكفولة في قوانين الدستور اليمني النافذ، وتقول المحامية والناشطة الحقوقية رغدة المقطري: "لا يحق لأي أحد أو جهة منع أي مواطن أو فرض أي قيود لمنع تنقلات المسافرين بين المدن اليمنية، بحسب المادة 57 من الدستور الأعلى للجمهورية اليمنية".

جذور المعضلة

يعزو الباحث حسين الوادعي ممارسات التضييق الحوثية على النساء لكونها تنطلق من بعد ديني، يربط بين المشاكل الاجتماعية والمعاصي الفردية ويعمل على تكريس الإحساس بالذنب والخطيئة.

يقول الوادعي: "دأب الخطاب الديني خلال سنوات طويلة على الربط بين الاخفاقات الاقتصادية والقضايا الأخلاقية والتي عادة ما تكون مرتبطة بالنساء".

ويضيف: "هذا البعد الفكري يتغذى أيضًامن عادات اجتماعية محافظة، تساهم بالضغط على المرأة ومراقبة سلوكها وزينتها، وكلها محاولات لحصر المرأة في البيت".

وأعتبر الوادعي هذا التضييق على المرأة شكلًا من أشكال الهروبية، تلجأ إليه الأنظمة الفاشلة لتبرير اخفاقاتها السياسية ومسؤوليتها الاجتماعية".

تتعدد أشكال التطرف ضد المرأة اليمنية في اليمن بشكل عام، وإن كانت المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين هي الأشد تطرفًا، فالوعي الجمعي مازال يضع المرأة في قوالب نمطية ضيقة، ويرفض أي خروج لها عن المألوف، كما أن الوصم والتنمر غالبًا ما يكون مصير أي امرأة تخالف تابوهات المجتمع، فالمرأة وقرارتها عادة ما تخضع للسلطة الأبوية من دولة أو قبيلة أو عائلة وجسدها ما يزال موضع تحكم لكل الكيانات الذكورية، إلا تلك الإنسانة التي تعيش بداخله!

ينشرها الحرف 28 بناء على اتفاق مع منصة "هودج" ومركز الإعلام الإقتصادي


Create Account



Log In Your Account