رفاقه يروون تفاصيل ساعاته الأخيرة .. عبده نعمان الزريقي .. وداع أخير لقائد قاتل حتى آخر وصية
الجمعة 26 مارس ,2021 الساعة: 07:26 مساءً
الحرف 28 - هشام المحيا - خاص

"كان يحمل شجاعة لاتعرف الرجوع الى الخلف. يتقدم الصفوف في كل معركة ويرمي بنفسه في أول مترس ومعه رفقاء سلاحه وظل كذلك حتى ارتقى شهيدا"... بهذه الكلمات المختصرة يختزل أحد رفقاء الشهيد العقيد عبده نعمان الزريقي مسيرته النضالية في مواجهة مليشيا الحوثي الإنقلابية في مختلف جبهات تعز.

لكنها في الواقع ليس كل حياته الجمهورية فله حيوات جمهورية أخرى كانت أبرزها في ثورة 2011. 

في الحادي والعشرين من مارس الجاري، كان عبده نعمان الزريقي قائد الكتيبة الأولى باللواء الرابع مشاة، قائد جبهة "الأحكوم" بمديرية حيفان جنوبي تعز، يمضي الى اللحظات الأخيرة في حياته بالطريقة التي ربما كان يبحث عنها ويتمناها. 

لقد كر خلف المليشيا متقدما الصفوف، في يده بندقية وفي الأخرى مايشبه الوصية الأخيرة : لم نخلق لنتراجع.

ساعات الزريقي الأخيرة

يروي إبراهيم الاكحلي وهو أحد رفقاء الشهيد الزريقي، لـ"الحرف28"، الساعات الاخيرة للشهيد.

يقول الاكحلي : بعد التقدم الكبير الذي حققه الجيش في جبهة حيفان خلال الاسبوع الماضي، استجمعت المليشيا الحوثية قواها في محاولة منها لاستعادة المواقع التي فقدتها، فغير الجيش خطته من الاستمرار بالهجوم إلى الحفاظ على المواقع المحررة حديثا، وكان الشهيد حينها في منطقة "سقول" بالاحكوم.

 أرسل القائد الزريقي مجموعة من المقاتلين لتطهير تبة الخزان وهناك وقع اثنين من أول جنوده المقتحمين في كمين بمنطقه "القواعدة".

 ورغم ذلك تمكن الجيش من تطهير المنطقة وبدأ بالتلال المجاورة، لكن المشكلة بدأت من هذه اللحظة .

بحسب الاكحلي، زرعت المليشيا الحوثية في منطقه شراق، التي تبعد عن الدبعي حوالي 1400متر، قناصا فأعاق تقدم قوات الجيش، الامر الذي أبلغ به الشهيد الزريقي والذي بدروه ارسل مجموعه من الافراد للتعامل مع الحوثيين وكان ذلك في ظهر يوم استشهاده. 

"حاول أفراد الجيش التعامل مع القناص الحوثي وعناصر المليشيا الحوثية لكن دون جدوى" يضيف الاكحلي. 

ويتابع الأكحلي رواية وقائع الساعات الأخيرة لقائده "علم الزريقي بالوضع، فجهز نفسه وانطلق بعد حلول الظلام هو ومجموعه من الافراد لاقتحام مكان القناص، بعد وضع الخطة، وهناك تقدم بشجاعة منقطعة النظير، حتى بات على بعد أمتار قليلة من موقع القناص الحوثي". 

مع تقدم الزريقي، كان أفراده يقدمون عملا فدائيا لحمايته، واستشهد خلال ذلك مهيب الدهبلي الاكحلي وأصيب عيسى منصور المذحجي وطارق الغودري، بإصابات خطيرة، وهناك بالقرب من فوهة قناص المليشيا وجد الزريقي نفسه مع قدره المحتوم، فارتقى شهيدا. 

معركة ما بعد الاستشهاد

عقب استشهاده، واصلت المليشيا الحوثية قبحها، فمنع القناص ذاته، سحب جثة الزريقي، لتتدخل وساطة لوقف اطلاق النار حتى سحب الجثة لكن المليشيا رفضت. 

و"باللغة التي تفهمها المليشيا"، يقول مصدر عسكري، ذهبت قوات الجيش لانتزاع جثة الشهيد، فهاجمت الموقع ونجحت بسحبها. 

لم يتوقف الامر عند سحب الجثة، حيث سيطر الجيش على التبة التي استشهد فيها الزريقي ومواقع أخرى وغنمت أسلحة متوسطة والاهم من ذلك أسر القناص، بحسب مصادر عسكرية تحدثت لـ"الحرف28" حينها. 



تاريخ نضال

لم يكن نجم القائد الزريقي وليد لحظة الإستشهاد وهو في المقدمة، فللرجل سجل يمتد على جبهات تعز والحجرية خصوصا، وتنغرس جذوره عميقا الى تربة 11 فبراير الثورة .

 خاض الزريقي معارك ملحمية ضد المليشيا الحوثية في مختلف جبهات تعز، بدءا من جبل جرة في 2015، وانتهاءا بجبهة حيفان، وقد قارع المليشيا في كل جبهة وأذاقهم السم الزعاف، بحسب اكثر من شخصية عسكرية قاتلت إلى جانبه. 

يقول بعض رفاقه " لم يكن الخوف موجودا في قلب الزريقي فكان في كل معركه جديدة يحضر مع افراده يقاتل حتى يستقر وضع الجبهة او الموقع الذي يسيطر عليها ومن ثم يغادر وكان عندما يتعرض الافراد لضغط من العدو يحضر الى الموقع حتى تهدأ الاوضاع الأمر الذي كان يصيب العدو باليأس من حلم استعادة الموقع". 

شريان إمداد

لم يكن الزريقي مقاتلا في الجبهات فقط، بل كان ثوريا نقيا وشريان إمداد واسع للمقاومة، ففي 2011، بزغ نجمه كثائر حر في ثورة 11 فبراير، ولاحقا عقب الانقلاب واندلاع المقاومة بتعز في 2015 عمل كشريان امداد ووسيط بين تجار السلاح وقيادة المقاومه في تعز. 

بحسب مصادر عسكرية، كان الزريقي يقوم بحماية وتأمين وصول السلاح للمقاومه والجيش، وفي الوقت ذاته كان يتنقل بين الجبهات، يهاجم هنا ويصد هجمة هناك. 


نعي القيادة

قيادة محور تعز، نعت الزريقي، وقالت إنه ذهب "تاركاً وراءه شكلاً متفانياً في فنون الشجاعة والشرف". 

ووصفت معاركه ضد المليشيا الحوثية في بيان النعي " هب كالرعد الشاهق على شراذمة الكهنوت ,كاسحاً بفراسته ونبله تلك الفضلات الحوثية التي هلكت الحرث والنسل في منطقة الأحكوم غير آبه إن كان سينجو أم لا ,فكانت الشهادة قد ظفرت بروحه وكان النصر قد أنجز بفعله". 


معركة التحرير 

وكان محور تعز، قد اطلق في 3 مارس الجاري، عملية عسكرية واسعة قال إن الهدف منها استكمال تحرير المحافظة من المليشيا الحوثية. 

ومنذ انطلاق العملية العسكرية، تمكنت قوات الجيش بتعز من استكمال تحرير مديرية جبل حبشي وتحرير مناطق واسعة في مديريات مقبنة والمعافر عرب المحافظة، ومؤخرا في حيفان جنوبا.


وداع لائق بقائد ومدينة

على رأس القمة التي خاض فيها معاركه الأولى في الحجرية لطرد المليشيا، استقبلت التربة جثة الشهيد الزريقي وتقرر تشييعه في تعز بالقرب من(جبل جرة) الجبل الذي صد فيه مع رفاق السلاح طلائع الإنقلاب الأولى في 2015، وآوى الى الشهداء في المقبرة.

 عقب صلاة الجمعة خرجت تعز تشيع واحدا من أبطالها الأفذاذ، في جنازة تليق ببطل ومدينة، وكان الى جواره بطل آخر هو القائد الشاب طارق الحميري، فقدته تعز شهيدا وهي تحاول استعادة محيطها الريفي غرب المدينة في مقبنة. 

لوحت المحافظة بوداع أخير للشهيد الزريقي، ومشت في جنازته المهيبة كما لوكان في مهمة جديدة لافتداء تعز، رافقه جثمان قائد سرية المهام الخاصة في الشرطة العسكرية المقدم طارق الحميري وجثمان عدد من الجنود في الجيش الوطني.

وكان وداعا يليق بقائد مثل الزريقي ورفاقه، افتدوا اليمن بالدماء والأرواح، بحسب أحد المشاركين في التشييع.

الجنازة كانت رسمية وشعبية، شارك فيها آلاف المواطنين والقيادات المدنية والعسكرية والشخصيات الإجتماعية، والى جوار رفاق السلاح القدماء والجدد ووري الثرى في مقبرة الشهداء بحي عصيفرة شمال المدينة.




Create Account



Log In Your Account