وميض شاكر.. نضال مبكر لصوت قوي
الجمعة 26 مارس ,2021 الساعة: 11:48 مساءً
مهيب زوى

“ايش تشتوا تعملوا حزب داخل المدرسة”، هكذا صرخ وزير التربية والتعليم أبو بكر القربي في وجوه طالبات مدرسة الشهيد محمد مطهر زيد الثانوية في منطقة الحصبة بصنعاء أثناء طابور الصباح.. حينها همست وميض لرفيقاتها:”لقد وصلت رسالتنا للحكومة”.

جدا ”لقد وصلت رسالتنا للحكومة” قالت وميض شاكر، التي شكلت ومجموعة من الطلاب -مطلع تسعينيات القرن الماضي- حركة طلابية اسمها “الراية” تؤسس لقيم الحرية وعدم الخضوع للأفكار الرجعية.

تربت الفتاة -القادمة من عدن إلى صنعاء، مع عائلتها جراء أحداث 13 يناير الدامية في عدن جنوبي اليمن 1986- في أسرة نضالية، فوالدها المناضل محمد شاكر ممثل منظمة البعث وعمها محمد عبده نعمان قائد الحركة العمالية في عدن أيام ثورة 14 أكتوبر 1967 ضد الإحتلال البريطاني.

انعكست الأفكار اليسارية على شخصية الفتاة الصغيرة (المولودة في حي المنصورة بعدن 1976) وعدد من زملائها القادمين أيضًا من المحافظات الجنوبية جراء أحداث يناير86، وعندما جاءت الوحدة 22 مايو 1990 شعرت وميض وزملائها بالسعادة، لكن أحداث صيف 1994 جعلت الأمر يبدو مختلفًا، بالنسبة لطالبات يؤمن بأنهن جزء من المجتمع ومن حقهن أن يمارسهن حياتهن بحرية، بعيدًا عن تدخلات الجماعات الدينية التي بدأت تضيق الخناق.

تقول وميض شاكر لـ البوابة اليمنية للصحافة الإنسانية – أنسم: “جاءت حركتنا الطلابية كرد فعل للتدخلات المتطرفة لتحركات الإخوان المسلمين والسلفيين داخل المدارس، كانوا يمنعون الموسيقى رفقة النشيد الوطني في طابور الصباح، ويتدخلون في طريقة اللباس.. لقد كانت مرحلة صعبة بالنسبة لنا”.

وأضافت: “كانت هذه الحركة وفعالياتها بالنسبة لنا حرب ومعركة مهمة مهما كانت بسيطة حينها، كنا نشعر أنهم يقطعوا أوصالنا على شوية شوية لكننا دخلنا انتخابات الحركة الطلابية وحصدنا ثلاثة مقاعد”.

في هذه الأجواء النضالية للطلاب حصلت وميض على الثانوية 1995، لتلتحق في جامعة صنعاء تخصص اقتصاد، لكنها اضطرت لتغيير تخصصها بما يتناسب مع شخصيتها فانتقلت إلى قسم العلوم السياسية، الذي تخرجت منه في 2004″.

تقول وميض شاكر -وهي ناشطة مدنية وخبيرة استرتيجية- لـ أنسم أن الفضل في تكوين شخصيتها وتركيبتها الفكرية يعود لوالدها شاكر، “تعلمت من والدي أن مسيرة الحركة الوطنية يجب أن تستمر بقادة جدد بغض النظر كانوا بنات أو شباب، فكنت انخرط في معظم اللقاءات الحزبية والمظاهرات والندوات والحوارات الفكرية والشعرية”.

التحقت الفتاة الشابة المستقلة، بسوق العمل أثناء دراستها الجامعية وكانت قضايا النساء وتمكينهن اقتصاديًا والجندر هو محور أعمالها لتغدو صوتًا لايستهان به ضمن نضالات المرأة اليمنية.

تقول لـ أنسم: “في 1998 حتى 2004 عملت بمشروع هولندي مع وزارة الشؤون الاجتماعية الجندر والاقتصاد تمكين المرأة من حقوقهن الإقتصادية 1998 وكان أول نزول ميداني في 1999 لجمع معلومات عن عمالة النساء في المزارع في لحج، “هناك رأيت النساء يعملن لساعات طويلة بأجور زهيدة.. رأيت كيف كن منحنيات الظهور ولا يملكن معلومات كافية عن صحتهن وتحديدًا الإنجابية، لاحظت كيف كان الرجال يجلسون بعيدًا على أطراف المزارع (أسوام) ينظرون إليهن فقط، لقد أغضبني ذلك”.

تضيف: “أتذكر أنني عندما عدت أخبرت والدي بشدة.. معقول طوال هذه السنوات كنتم تحكمون البلد من ثورة 14 أكتوبر والنساء مازلن بهذه الطريقة يجمعن ثمار الطماطم لساعات طويلة بأجور زهيدة دون رعاية أو اهتمام”.

تقول وميض: “كفرت بحاجة اسمها دولة وسياسة وأحزاب.. لكن: فكرة أنه لابد من الإصلاح كانت قائمة”..

توضح لـ أنسم أن مشاهد لنساء تلك مثلت لها صدمة دفعتها لتطوير ذاتها لتسطيع تقديم العون لهم، “تعرفت كيف أن التدخلات في التنمية وجهود المجتمع المدني تحدث تغييرًا، وفكرنا في تنشيط التعاونيات تعرفت على تجارب عديدة ودخلت في مشاريع تنموية وعملت على تنمية مهاراتي وحصلت على تدريبات كثيرة وتعرفت على تجارب بلدان وعملية تنظيم الناس على مستوى الجذور (الناس المحليين)”.

فبراير2011

انتقلت وميض للعمل مع أوكسفام مديرة كمديرة لبرنامج الجندر مشروع حماية النساء قانونيًا في خمس محافظات: صنعاء، عدن، تعز، أبين، حضرموت، “استمر عملي مع أوكسفام من 2003 إلى 2010.

عندما جاءت ثورة فبراير 2011 كانت وميض تعمل ضمن مشروع تحسين سبل المعيشة مدعوم من الوكالة الأمريكية للتنمية، لكن الأمر لم يستمر فخيار الثورة بالنسبة لوميض هو المشروع الأفضل لتحسين سبل المعيشة للناس وأوضاع البلد، “قدمت استقالتي والتحقت بساحة التغيير مع الشباب، أحسست أن وجودي هناك أكثر أهمية” قالت.

وتضيف لـ أنسم: “كنت منخرطة في صفوف الثورة باقوى قوتي ومازلت أؤمن بها؛ فثورة فبراير محطة فاصلة في تاريخ البلد والمنطقة العربية، استمررت في التنظيم داخل الساحة، أسسنا تحالف وطن للسلم الأهلي- النسائي”.

كانت وميض مهتمة بتنظيم التحالفات الشبابية داخل الساحة لإيمانها بالشباب وطاقتهم مستعيدة أيامها في مدرسة الشهيد محمد مطهر زيد الثانوية، وقادت حملات مناصرة عديدة، “كنت أول من عمل على تكوين الشاب في ساحة الثورة، كونت المجلس التنسيقي لمجلس الثورة اسمه تنوع شباب 3 فبراير و تحالف قبائل اليمن من أجل الدولة المدنية” قالت.

تضيف وميض: ” خلالها رأيت أن الشباب يحتاجون الكثير من القدرات المهارات ففكرت بتأسيس منظمة اسمها (إطار لتنمية المجتمع) بحيث نساهم مساهمة فعالة ومستقلة نحو بناء الدولة المدنية، إلا أن ذلك تأجل”.

في 2012 عادت وميض شاكر للعمل مع اليونسيف، لكنها تركت ذلك لتتفرغ لعملها الخاص التي بدأت تؤسسه كاستشارية، “كنت أقدم استشارات: دراسات بحوث تدريب للمنظمات”.

وتعد الاستشارية والخبيرة الاستراتيجية وميض شاكر إحدى صانعات السلام البارزات وأحد الاسماء البارزة في الحركة النسوية اليمنية، وهي اليمنية الوحيدة التي وثقت أدوار النساء في الثورة 2011 من خلال عدد من الأبحاث والدراسات منها: “أصوات قوية” مع سيفر وورد، “ربيع أم خريف عربي” عن مشاركة النساء في المنطقة العربية، “الحلم بالدولة” مع جامعة لندن للاقتصاد، “ضاع في الفترة الانتقالية” عن مكان النساء في الخارطة السياسية الجديدة.. وأعدت ثلاثة أدلة في بناء المنظمات والمجتمع المدني والجندر في مختلف القطاعات، والعديد من الدراسات بين أبحاث وأوراق سياسية تربو على الـ 40 دراسة حتى اليوم.

الحرب مزقت كل شيء

في 21 سبتمبر سيطرت جماعة الحوثي على مؤسسات الدولة وفي مارس 2015 باتت اليمن ساحة حرب -مازالت مستمرة- بعد دخول قوات التحالف إلى جانب الحكومة الشرعية لاستعادة الدولة..

تشير وميض إلى أن المجتمع المدني بدا منجرفًا نحو تقديم الخدمات الإنسانية، “وهذا ما نحتاجه الآن، إلا أن هناك هامشًا صغير للعمل السياسي للمجتمع نحو بناء عملية السلام والأصوات ماتزال خافتة”.

تقول وميض لـ أنسم: “في اعتقادي أن الحرب هذه ستنتهي -لابد- لكن في هذا الوقت أثناء إعادة بناء البلد أخشى أننا لن نجد مجتمع مدني بتلك الصورة اللي تعتمد على الدعوة والمناصرة في تغيير السياسات والهياكل”.

واستدركت: “ليست الفكرة أن تكون قائدًا أو مؤثرًا.. الفكرة أن يكون هناك قادة كثر ومجتمع مدني منظم ومتعايش، قوي ومترابط وصاحب صوت.. لهذا لابد من دعم الأفراد والكيانات وتشجيعهم للتعبير عن أنفسهم”.

وترى وميض شاكر وهي كاتبة بارزة في العديد من المنابر المحلية والعربية -اختارها معهد جورج تاون للمرأة والسلام لتكون عنوان قصة الموسم في غلاف مجلته ديسمبر الماضي- أن هامش حرية التعبير تراجع كثيرًا وهذا مؤشر خطر جدًا، “خلال هذه الحرب المستمرة حصل تراجع كبير: تدهور اقتصادي، معيشي، أمني وإنساني.. وحدث انكماش في الفضاء المدني والأكثر انكماشًا كان فضاء التعبير والصحافة.. على الأقل الفضاء المدني انقذته التدخلات الإنسانية والإغاثية وتوزيع المساعدات لكنهم أصبحوا مجرد منفذين لأنشطة وليسوا مطالبين بتغيير وضع” قالت.

قررت وميض تفعيل عملها المؤجل: منظمة إطار للتنمية الاجتماعية، “نبدأ العمل خطوة خطوة، كما أسستُ في 2018 مركز ذاكرة للإنتاج الفني والاعلامي بهدف استعادة الإعلام المستقل و ترميم الذاكرة اليمنية.. الحرب مزقت كل شيء”.

تنتقد وميض بحدة الحملات ضد ثورة 2011 وشبابها، “هناك من يعتقد -خطأً- أن ثورة 2011 قادت إلى الحرب.. بالعكس هي قادت إلى وجود حل لأي حرب واردة أو صراع في بلد هشاشته مزمنة.. الثورة ليست مصباحًا سحريًا، بمعنى أن الناس سيخرجون ومن أول يوم سيصلح حال البلد، هذا ظلم بحق الشباب الصادقين الذي خرجوا يحملون أحلامهم”.

وأضافت: “لا يمكن بأية حال من الأحوال أن ندين التعبير أو الأصوات التي خرجت للهتاف.. فهذا يعني أننا حكمنا بالموت على أنفسنا والأجيال القادمة”.


ينشر بالإتفاق مع بوابة الصحافة الإنسانية " أنسم "
https://www.ansom.net/wameetdshaker/


Create Account



Log In Your Account