ماذا بعد أن أضاع الحوثيون فرص تحقيق السلام؟
الإثنين 10 مايو ,2021 الساعة: 01:22 صباحاً

انفضت المحادثات التي أجراها المبعوثان الخاصان الأمريكي والأممي إلى اليمن، يتموثي ليندركينغ ومارتن غريفيث، في العاصمة العمانية مسقط دون تحقيق أي من أهدافها المعلنة وعلى رأسها التوصل إلى وقف لإطلاق النار، رغم الزخم الكبير التي أحيط بهذه المباحثات من الجانب الأمريكي على وجه الخصوص.

تبنت واشنطن المطالب الحوثية بشأن تخفيف القيود على مطار صنعاء الدولي وميناء الحديدة، بما يعنيه ذلك من إطلاقٍ لأيدي هذه المليشيا لإعادة توظيف هذين المرفقين في تعزيز قدراتها العسكرية، وترسيخ سلطة الأمر الواقع التي تمارسها في الجزء الشمالي من البلاد في ظل رفض واسع من جانب اليمنيين هناك.

ومع ذلك تعنت الحوثيون أمام المساعي الأمريكية، كما سبق وأن تعنتوا إزاء المبادرة السعودية لوقف إطلاق النار التي هي في المحصلة مبادرة سعودية أمريكية مشتركة، وفرضتها إدارة الرئيس الأمريكي على الرياض في سياق مخططها لتصفير أزمات الشرق الأوسط، لتتفرغ لمواجهة طويلة الأمد مع النفوذ الصيني والروسي المتنامي والخطير.

اتسم أداء الإدارة الديمقراطية بالخيلاء منذ اليوم الأول لوجود بايدن في البيت الأبيض، وهي تسارع إلى إنهاء مفعول القرار الشجاع والحكيم الذي اتخذته إدارة الرئيس المنصرف دونالد ترامب، بتصنيف الحوثيين منظمة إرهابية أجنبية، والذي استند في الواقع إلى أدلة منطقية تؤكد تغول الحوثيين كجماعة قتل إرهابية مروعة، تتوسل العنف لتحقيق أهداف سياسية.

السيناتور الديمقراطي كريس مورفي أفرغ حماسته في مسقط وهو يسعى لمؤازرة المبعوث الأمريكي الخاص ومعه المبعوث الأممي، وكان يأمل ولا شك في الحصول على إنجاز سياسي يتسق مع حماسه الهادف إلى مكافأة إيران وتمكين أداتها في اليمن (جماعة الحوثي)، حيث طرح بوضوح مقترحاً يقضي بضرورة رفع العقوبات عن إيران للحصول على موقف جيد في اليمن.

إنه تصور يقوم على منطق مكافأة المجرمين لا أقل ولا أكثر، ويشجع على استمرار الحرب كأداة مفاوضات قوية بيد الانقلابيين الحوثيين المدعومين من إيران، وذريعة السيناتور مورفي هي أن هذا النوع من الترضية لطهران سيساعد على حماية السعودية من الهجمات التي ينفذها الحوثيون، وهي في الواقع إهانة للسعودية وجيشها ومكانتها العسكرية الإقليمية.

لقد تحول هذا السيناتور إلى وسيط خائب، لأنه لم يفعل أكثر من تعطيل المهمة الدبلوماسية المحترفة للمبعوث الأمريكي الخاص، وتعطيل أدواتها المعروفة، وساهم في التقليل إلى حد كبير من المفعول المفترض لبلاده وثقلها كقوة عظمى وحيدة في هذا العالم، وتحول هو والمبعوث الخاص إلى وسيطين هدفهما الأساسي إقناع ممثلي الحوثي المتواجدين في مسقط باللقاء مع المبعوث الأممي إلى اليمن مارتن غريفيث.

بيان الخارجية الأمريكية هو الذي أشار بوضوح إلى هذا المسعى الفاشل من جانب السيناتور مورفي والمبعوث ليندركينغ، مقترناً بتأكيد مسؤولية جماعة الحوثي وتعنتها، عن تضييع فرصة السلام التي لاحت في مسقط مع التحرك الأمريكي على خلفية المبادرة السعودية لوقف إطلاق النار.

السيناتور مورفي إلى جانب وفد آخر من الكونجرس الأمريكي بالإضافة إلى وفد حكومي؛ زاروا منطقة الشرق الأوسط في مسعى لتسويق المخطط الأمريكي للتهدئة في المنطقة عبر الوسائل الدبلوماسية، مخطط يرتكز على الملف النووي الإيراني على وجه الخصوص.

وقد كشف مورفي أن إدارة بايدن كانت وراء حمل الرياض على إعلان مبادرة وقف إطلاق النار في اليمن، وحملها كذلك على الذهاب إلى عقد مفاوضات سرية مع إيران في العاصمة العراقية بغداد.

لكن من الواضح أن ارتدادات التحرك الأمريكي تبدو مخيبة للآمال حتى هذه اللحظة، بدليل أن الحوثيين وهم أداة مهمة لإيران في جنوب المملكة، لم يحققوا ما طمح إليه الأمريكيون، لأنهم في الحقيقة اتجهوا نحو استغلال الحماس الأمريكي بشكل انتهازي واضح، للحصول على المزيد من النتازلات؛ التي تختصر أهداف حربهم في اليمن وتمكنهم من الوصول إلى غاياتهم السياسية، حتى وهم يظهرون كل هذا الإصرار على مواصلة الحرب، وخلق مأساة كبيرة في محافظة مأرب.

في تقديري أن السعودية تُساق إلى تقديم تنازلات متعددة المستويات قد تخرجها من اليمن مهزومة، وتدفعها إلى تقديم تنازلات خطيرة لصالح النفوذ الإيراني في المنطقة، وهي أمور يمكن تفاديها بسهولة استناداً إلى مكانة السعودية وثقلها وقوتها.

ودعونا هنا نلقي نظرة لما يجري، فقد اعتمدت طهران على التخريب وعلى استثمار الصراعات الطائفية في منطقتنا، وانحازت للحرب وسيلة لتحقيق أهدافها السياسية في لبنان والعراق وسوريا واليمن، وهذا الأمر ينبغي أن يعزز القناعة لدى الجميع بأن الحرب هي أيضاً فرصة مشتركة ومتاحة للجميع.

ولطالما أهدرت السعودية فرص استثمار الحرب من أجل بناء جبهة إقليمية قوية أتيحت لها كل الإمكانيات، ولكنها ارتكست للأسف إلى مستوى من السلوك الأيديولوجي العنيف الذي جعلها تصفي تركتها وإرثها وتحالفاتها دفعة واحدة، والنتيجة أن خيبة أمل كبيرة حدثت وارتدادات ميدانية خطيرة تهدد اليوم منطقتنا وثقافتها وسلامها المشترك.

ومن هنا تكمن أهمية المعركة الدائرة حالياً في مأرب، والتي تضع السعودية ثقلها الجوي الكبير لإبقائها عند حدودها الحالية من الاحتواء لكل الأطراف، واستنزافهم. والمطلوب أن يجري تحول حقيقي في هذه المعركة، يخفف الاعتماد على الطيران السعودي ويقوي الإمكانيات الميدانية للجيش الوطني، وينقل المعركة إلى عمق العدو وهزيمته.

 

*نقلًا عن عربي 21


Create Account



Log In Your Account