"جمال" .. شارع  الجمهورية وميدان السياسة الوحيد في اليمن
الجمعة 20 أُغسطس ,2021 الساعة: 08:33 مساءً
خاص- سلمان شمسان

 تقلصت الجمهورية اليمنية  منذ سبع سنوات ومعها التعددية السياسية والحزبية وحرية الرأي والتعبير والإعلام حتى انكمشت في حدود شارع واحد بقلب مدينة تعز، التي يخنقها حصار الحوثي وتخاذل التحالف  وينخرها الفساد من الداخل.


وبينما يقر دستور الجمهورية اليمنية التعددية السياسية وحق التظاهر السلمي وممارسة الفعاليات الشعبية وحرية التعبير في مساحة اليمن كله التي  تزيد عن 555 ألف كيلو متر مربع إلا أن المظاهرات لم تعد تتجاوز كيلو مترا واحدا أو يزيد قليلا عنه في مدينة تعز، مع استنثاءات قليلة.

موقعه وأهم المؤسسات الرسمية والخاصة في الشارع:

يقع شارع جمال في قلب مدينة تعز، ويبدأ من عند شركة النفط التي تحولت الى مقر لحكم المحافظة غربا ، وينتهي بالعقبة شرقا. 

ويقدر طوله بألف وثمانمائة متر  يزيد  أو ينقص قليلا، مع عرض يتراوح بين 15 مترا إلى 20 مترا تقريبا.

يحتوي الشارع على مبنى السلطة المحلية وشركة النفط (وينعدم الوقود في المدينة رغم عمل السلطة من مبنى شركة النفط)، كما يضم قيادة محور تعز العسكري، والبنك المركزي وبنوك : التضامن والإنشاء والتجاري واليمن الدولي، ومكتب التربية والتعليم وغيره من المكاتب.

كما يقع فيه مقرات عددا من الجامعات الخاصة مثل الجامعة الوطنية وجامعة العلوم والتكنولوجيا  وجامعة الجند، وعددا من المعاهد الأخرى.


يضم الشارع أيضا مقرات حزب الإصلاح والحزب الناصري الذي ولى وجهه شطر الإمارات وصار جزءا من أجندتها بحسب اتهامات خصومه، كما يتفق الحزبان على المحاصصة في المواقع التنفيذية بالمحافظة مع بقية الأحزاب ويختلفان معا في كل شيء بعدها.

كما يضم الشارع أيضا السوق المركزي الشهير للخضار وعددا من المجمعات التجارية ويعد السوق الرئيسي للالكترونيات في المدينة، ويحيط به سوق القبة للقات، وسوق ديلوكس، وعددا من المطاعم.
ويسكن في الشارع عشرات الصحفيين ومئات الناشطين المشهورين والمؤثرين على وسائل التواصل يرصدون كل شيء فيه!
                                                (صورة لجزء كبير من شارع جمال -خالد القاضي)
 
ميدان السياسة وما تبقى من مظاهر الديمقراطية والحقوق:
في شارع جمال توجد ساحة اعتصام دائم للحقوق تقع قرب مبنى مكتب التربية والتعليم، ويمثل الشارع ذورة الفعاليات السياسية في اليمن كلها. 

توصل إحصاء خاص بالحرف 28 إلى أن الشارع يشهد تظاهرات شبه يومية لعدد واسع من الأطراف المدنية والسياسية في المدينة وحتى العسكرية أو شبه العسكرية ، وهو أيضا ميدان العروض العسكرية للجيش وساحة احتفال السكان بالثورات.

بحسب الإحصاء الذي أعده الحرف28 فإن الشارع شهد منذ الأول من يونيو وحتى العشرين من أغسطس الجاري أكثر من 31 تظاهرة شعبية معظمها منددة بالفساد، خلال ثمانين يوما، رغم انقطاع الفعاليات السلمية في إجازة عيد الأضحى. 
وبحسب الإحصاء فإن الفترة ما بين 12 أغسطس الجاري وحتى السبت21 أغسطس شهدت سبع تظاهرات مختلفة.

رغم كثافة التظاهرات فإن الحركة التجارية لم تغلق على الإطلاق خلال الفترة التي اعتمدها التقرير، كما لم يسجل أي هجوم من الشرطة أو  الجيش على المتظاهرين. 

ويضم المتظاهرون طيفا واسعا من المكونات السياسية والشعبية في المدينة تشمل الناشطين المدنيين، والحقوقيين وجرحى الجيش، وجنود يطالبون بمستحقات، ووصلت في حالة نادرة إلى احتجاجات سلمية قادها ضباط وأفراد يقودون جبهات المواجهة ضد مليشيا الحوثي. 
كما يتظاهر بانتظام في الشارع معظم الموظفين الذين تتأخر مرتباتهم، وخصوصا عمال النظافة.
وفي برنامج ساخر على قناة يمن شباب مطلع 2020 قال أحد السكان للمذيعة إنه سيقطع شارع جمال إن قطع الإنترنت على المدينة. 
لا يخلو الشارع أيضا من مظاهر مخلة بالأمن وإن كانت قليلة:
قبل أشهر عمد جنود في شرطة الدوريات وأمن الطرق إلى إحراق الإطارات وقطع الحركة المرورية بسبب ما قالوا إن الشرطة أفرجت عن متهم بقتل أحد الأفراد، لكن بيانا لشرطة الدوريات نفت مسؤوليتها عن تلك الأعمال، رغم انتشار صور لأطقمها وهي تقطع الشوارع.
كما شهد الشارع شللا قبل أكثر من سنة بعد حادثة مشابهة قام بها منتسبون للجيش ( لواء الصعاليك سابقا) للضغط على السلطات الأمنية والعسكرية بالقبض على متهمين بالقتل. 

كما قال صحفيان الأسبوع الماضي إن الاستخبارات العسكرية أرسلت استدعاء لأحدهما بينما قال صحفي آخر إن طقما مسلحا جاء يبحث عنه إلى منزله، ولم يهجر الصحفيان المدينة، وما زالا فيها بينما سارعت الشرطة إلى نفي ادعاءات الصحفيين. 
قال ناشطون وكتاب إن الشارع صار قلب الجمهورية النابض بقيمها وآفاقها، وأنه رمز لمقاومة الانقلاب على الجمهورية سواء الانقلاب الحوثي أو محاولات الانقلابات التي أتت نتيجة انقلاب الحوثي. 


إنجازات للشارع: 


بعد سلسلة من التظاهرات في المدينة وفعاليات متنوعة من طيف واسع من الناشطين والسكان رضخت السلطات المحلية وغيرت بعض مديري المكاتب الخدمية في المدينة خلال الأشهر الماضية، وإن أخذ الأمر بعدا منحازا ضدا على جهة سياسية معينة،  وحكم على عدة مسؤولين فيها بالسجن ستة أشهر، بغض النظر عن مدى تنفيذ تلك الأحكام. 


لكن الشارع ما يزال ساخطا ويخرج على نحو شبه يومي يطالب برحيل المحافظ وقيادة السلطة المحلية التي تمثل عقدة المشاكل للمحافظة التي تخوض حربا بينما كانت مساحة للتجريب والمجيئ بقيادات من خارج النسق المقاوم وبعضهم محسوبين على منظومة صالح القديمة أو موالين لدول في التحالف. 


الراسخ أن هذا الشارع يبدو ميدانا لآخر ما تبقى من السياسة في البلاد. 

فهو ملاذ المحتشدين مع الجيش والمقاومة، والغاضبين من سلوك بعض المحسوبين عليهما، والمناهضين للانتهاكات.

 كماهو ميدان لأصحاب الحقوق الضائعة والباحثون عن مرتباتهم  فضلا عن الناشطين والسياسيين الموالين لأجندة الإمارات،  والمناهضين لهم أيضا وعمال النظافة.

 
ومثلما هو أيضا مكان لاحتجاجات  أفراد الجيش والشرطة وحتى باعة القات،  هو كذلك  ساحة لاحتجاجات أحزاب سياسية تشارك في قيادة المحافظة ومحاصصات المكاتب التنفيذبة الفاسدة لكنها تتظاهر ضد الفساد والسلطة المحلية!


Create Account



Log In Your Account