تعز.. مأساة الحرب والحصار المزدوج: حصار الحوثيين وحصار التحالف
الأحد 29 أُغسطس ,2021 الساعة: 07:24 مساءً
الحرف 28 – تقرير خاص

"عندما أُعلن عن تحرير منطقة الكدحة وفتح الطريق المؤدي إلى المخا طار قلبي فرحًا كوني سأختصر المسافة التي أعبرها ذهابًا وإيابًا من مركز مدينة تعز إلى المديريات الساحلية للمحافظة"، بهذه الكلمات يختصر محمد فرحان وهو  سائق مركبة نقل ركاب فرحة "مقصوفة العمر" لتحرير المنطقة التي تربط الساحل بالمدينة تحاصرها جماعة الحوثي من جهة ثم أماط التحرير عن حصار آخر تقوم به أدوات الإمارات ومليشياتها المسلحة بأوامر مشددة.

أما علي حامد، وهو عامل بسيط، فقد "تنفس الصعداء" عند سماعه بإعلان فتح "شريان جديد يصل تعز بالعالم" حد تعليقه للحرف28.

منذ ربيع 2015، حُرم حامد من زيارة مدينة المخا "الدرة الثمينة" كما يصفها، بعد أن أصبحت منقطة "معزولة" وفق تعبيره، جراء الاشتباكات بين جماعة الحوثي والقوات الحكومية التي يقول التحالف بقيادة السعودية أنه جاء لدعمها.

وتعيش مدينة تعز التي يقطنها مئات الآلاف من السكان، منذ سبعة أعوام تحت وطأة حصار تفرضه مليشيا  الحوثي الموالية لإيران حيث تسيطر على المداخل  التي تربط المدينة بضواحيها الشرقية والغربية والشمالية، باستثناء منفذ فرعي وحيد "هيجة العبد" غربي المحافظة، يربطها بمحافظتي لحج وعدن كممر وحيد وخطر.

ورغم إعلان التحالف تحرير المديريات الساحلية الأربع التابعة لمحافظة تعز وطرد مليشيا الحوثي منها قبل ٣ سنوات،  إلا أن حامد لم يحالفه الحظ لزيارة المخا بسبب "إغلاق الطريق الرئيس الواصل إلى المدينة  من الساحل ومشقة الطريق المتعرجة والجبلية وعناء السفر".

وقد استمرت الطريق مقفلة بوجه المسافرين رغم وجود خط مفتوح بين الساحل ومديريات الحجرية من جهة المعافر جنوب غرب المحافظة، كما حرص التحالف الذي تتحكم ببوصلته الإمارات بتواطؤ سعودي، على إبقاء مليشيا الحوثي في المناطق الفاصلة بين مديريات الساحل التعزي وبقية أجزاء المحافظة الواقعة تحت سيطرة الحكومة الشرعية، ضمن مساعي لتمزيق المحافظة وتقسيمها، لكن التحالف لم تعزه الذريعة، فقد ظلت المناطق الفاصلة بين الساحل وبقية المحافظة بحوزة الحوثيين تمده بالكثير من الاسباب لمساندة الحوثيين في محاصرة تعز.

 

إعادة تموضع

في مارس/آذار الماضي، وعلى نحو مباغت شنت قوات الجيش الوطني في تعز عملية عسكرية خاطفة أدت الى طرد ما تبقى من مليشيا الحوثي من جيوبها المتبقية الفاصلة بين الساحل وبقية مديريات المحافظة والمدينة.

عمليًا أسفر الهجوم عن فتح الطريق ومن المفترض أن القوات الحكومية ستلتحم بقوات الساحل المسنودة من التحالف، ليكون الخط الرابط بين الساحل والمدينة سالكا، لكن تلك القوات المدعومة من الإمارات  كثفت انتشارها، واعادت تموضعها على نحو جعل من مواقع الجيش هدفا بحسب مصادر محلية.

  وقد تم  تحرير منطقة الكدحة  الاستراتيجية التابعة لمديرية المعافر والمناطق الواقعة بين المدينتين من قبضة مسلحي جماعة الحوثي،  وتوغل الجيش شمال غرب ليصل الى مقربة من منطقة البرح .

بحسب مصادر ميدانية فقد طلب التحالف من قيادة محور تعز التوقف عن مواصلة الهجوم، وقال مصدر عسكري لـ"الحرف28" إن التحالف وجه تهديدا بقصف الجيش في حال استمر بالتقدم.

أما الطريق الذي يفترض أنه فتح نحو الساحل من جهة الكدحة لمدة أسبوعين على حين غفلة، فقد أصبح حصارًا رسميًا يقوده التحالف بدون غطاء الحوثي و سرعان ما خاب أمل المواطن فرحان كما سكان المحافظة.

لكن نائب ركن التوجيه المعنوي بمحور تعز العقيد عبدالباسط البحر، يحاول مداراة ما حدث على الطريقة الحكومية الرسمية.

وقال البحر لـ"الحرف28" إنه عقب تحرير قوات الجيش منطقة الكدحة أصبحت الطريق إلى الوازعية والخط الساحلي "مفتوحة ومؤمنة" من الجانبين، لاسيما بعد التحام القوات في محور تعز مع قوات العمالقة.

ونظرًا لأهمية خط الكدحة –المخا، "تصدر هذا الموضوع قائمة أولويات محافظ المحافظة نبيل شمسان أثناء زيارته بمعية عدد من القيادات والأمنية ومدراء المكاتب إلى المخا في مايو الماضي".

وأضاف البحر أن من "ضمن أهداف تلك الزيارة هو فتح الطريق وجعلها سالكة أمام أبناء تعز تخفيفا للمعاناة".

تمتاز الطريق كونها تختصر كثير من المسافات ومُعبدة بحيث تتيح للمركبات الصغيرة العبور فيها، فضلًا عن كونها توفر الوقت والجهد بالإضافة إلى أنها ستتيح نقل البضائع والتنقل بسهولة، بحسب نائب ركن التوجيه المعنوي بمحور تعز.

 

إنفراجة لم تدم

ما تصمت عنه قيادات تعز أن فتح الخط سيمكنها من الحصول على خط امداد سهل بالأسلحة من التحالف كما هو مفترض فقد جاء لدعم قوات الجيش الوطني كما يزعم، لكن التحالف لم يكن من أولوياته يوما، سوى حصار تعز وخنقها كما قال لـ"الحرف28" ناشط إعلامي في المحافظة.

في الزيارة التي قام بها المحافظ مع قيادات أمنية وعسكرية في مايو الماضي، جرى مناقشة فتح الخط من جهة الكدحة والساحل، مع طارق صالح قائد ما يسمى بالمقاومة الوطنية.

بحسب مصادر حضرت الاجتماع فقد وعد الرجل بتسهيل فتح الخط وكان متحمسا، وابدى رغبة في التعاون لمساعدة المحافظة على الحصول على احتياجاتها التجارية من جهة الساحل.

وقالت المصادر إن البعض تذرع برفض اللواء هيثم قاسم طاهر الذي تسيطر قواته على المناطق المتاخمة للكدحة، وهي قوات تتشاطر مع طارق صالح تلقي الأوامر من الإمارات ولا تخضع لأي جهة رسمية في الحكومة الشرعية.

لكن قاسم بعد وساطات وافق على فتح الخط وكان هناك جهودا لتدشين الأمر رسميا.

لم تدم الإنفراجة سويعات قبل أن يفتح الخط حتى جاءت الأوامر صارمة بعدم فتح الخط والإبقاء على إغلاقه كما كان عليه الأمر في عهد سيطرة مليشيا الحوثي.

بحسب مصادر محلية فقد نكث طارق صالح وهيثم قاسم بالتزاماتهما، ثم جاء التوضيح  بأن الأمر خارج عن إرادتهما، ما يؤكد أن الإمارات أصدرت أوامر صارمة باستمرار الوضع على ما هو عليه وأن طارق صالح وهيثم قاسم ليسا أكثر من منفذي أوامر.

في مايو الفائت حاول وفد من منظمة إنسانيا أجنبية السفر من عدن الى تعز باستخدام الطريق الساحلي السهل والإنعطاف الى تعز عن طريق الكدحة المنبسط.

بحسب أكثر من مصدر تواصل معهم "الحرف28" فقد منع الوفد من السير في الخط، واضطر العودة الى عدن ومن ثم سلوك الطريق شديد المشقة والخطورة : هيجة العبد.

 

إرهاق السكان

المعاناة لا تقتصر على إرهاق سكان المدينة المحاصرة وابناء المحافظة الممزقة بين ٣ جهات  تتقاسم النفوذ فيها، فسائقو المركبات يشكون مشقة الطرق الإلتفافية البديلة وخطورتها وطول المسافة.

ينقل  فرحان، عشرات المسافرين من مديريات ساحل تعز (الوازعية، موزع، ذوباب والمخا) القاصدين مركز المدينة في ثلاث رحلات بالأسبوع، عبر طرق شديد الوعورة.

بالنسبة لفرحان فالأمر يمكن تعويضه من خلال زيادة رسوم السفر وجيوب البسطاء الخاوية تسد فارق المسافة.

يقصد سكان مديريات الساحل، مدينة تعز لغرض التعليم والعلاج لا سيما وأن مديرياتهم تفتقر لأبسط الخدمات.

"قبل الحرب كان الوقت الافتراضي للرحلة ذهابًا من مدينة تعز إلى مديرية المخا يستغرق أقل من ساعتين، أما حاليًا فالوقت يستغرق قرابة سبع ساعات" يقول فرحان لـ"الحرف28".

في السابق كان الطريق الرابط بين مدينة تعز والمخا بشكل رئيس يمر عبر مناطق البيرين، والكدحة، والحناية ومفرق الوازعية، أما في الوقت الحالي فيسلك المواطنون طرق بديلة عبر منطقتي بني شيبة والصافية التابعة لمديرية الوازعية.

فرحة المواطنين بفتح منفذ جديد يختصر المسافة الشاقة، ويسهل وصول السلع الأساسية، لم تدم سوى أسبوعين فقط، حتى أُغلقت الطريق من قبل القوات التي تسيطر على المديريات الساحلية للمحافظة.

بشكل كلي، تخضع مديريات ذوباب، المخا، الوازعية، وموزع لسيطرة القوات المشتركة المدعومة إماراتيًا. فيما تسيطر القوات التابعة لمحور تعز العسكري على منطقة الكدحة، وصولًا إلى منطقة الحناية في الوازعية.

في مديرية موزع، يوجد كثير من المقاتلين المنتمين للمقاومة الشعبية التابعة للحكومة، لكن السيطرة العسكرية تعتبر من نصيب القوات المشتركة، التي تتشكل من (ألوية العمالقة السلفية وما يسمى المقاومة الوطنية) وتخضع للقوات الإماراتية وتتلقى أوامرها منها.

وهيمنت تلك التشكيلات على المؤسسات والمكاتب الحكومية، وعينت فيها مسؤولين موالين لها بعيدًا عن السلطات المحلية الموالية للحكومة الشرعية في تعز.

إمعان الإمارات في حصار تعز

مسؤول محلي في تعز، أرجع إغلاق المنفذ إلى توجيهات إماراتية بتواطؤ سعودي وتغاضي حكومي.

وقال المسؤول لـ"الحرف28"، مفضلًا عدم الكشف عن هويته كونه غير مخول بالحديث لوسائل الإعلام، إن إغلاق خط الكدحة- المخا له علاقة بالقاعدة العسكرية الإماراتية في جزيرة ميون التابعة إداريًا لمحافظة تعز.

وأضاف أن "التشكيلات التابعة لأبو ظبي في الساحل الغربي أغلقت الطريق المؤدي إلى تعز ردًا على الحملة التي أعقبت التقارير التي كشفت عن القاعدة الإماراتية في ميون".

وأشار إلى أن القوات المشتركة أبلغت السلطة المحلية بتعز بأن لديها أوامر وتعليمات من التحالف بإعادة إغلاق المنفذ، دون توضيح الأسباب.

ووفق المسؤول فإن قيادة التحالف العربي في عدن لم ترد على استفسارات قيادة محور تعز بشأن سبب إغلاق خط الكدحة- المخا.

غير أن المتحدث باسم محور تعز عبدالباسط البحر يقول بجزم: "لا نعلم السبب وراء معاودة إغلاق الطريق من قبل قوات العمالقة والقوات المشتركة، وقد تخاطبنا مع أكثر من جهة معهم ومع قيادات التحالف في عدن ومع غيرها ولكن ليست هناك أسباب واضحة".

وأضاف "الجيش الوطني لا يمكن أبدا  إلا أن يكون في صالح المواطن مهما كان، حتى مهما كانت الدواعي والمبررات فمصلحة المواطن فوق كل اعتبار".

 

مطالبات شعبية

وأدى إغلاق طريق الكدحة - المخا إلى غضب شعبي عبّر عنه الأهالي من خلال وقفة احتجاجية نفذوها في الثامن من شهر يوليو الماضي، للمطالبة بفتح الطريق والتخفيف من معاناة السكان.

واتهم بيان الوقفة قوات عسكرية مرتبطة بالتحالف العربي بإغلاق طريق تعز الكدحة، المخا، دونما اكتراث أو مراعاة للحالة الإنسانية لسكان تعز.

وقال البيان إن عملية التحرير التي خاضها الجيش في شهر مارس الماضي جاءت لتفتح نافذة واسعة للأمل بتخفيف وطأة الأزمة الإنسانية وذلك من خلال فتح طريق تعز الكدحة.

وطالب الحكومة والتحالف بقيادة السعودية، بالضغط لفتح الطريق بشكل عاجل، والسماح بمرور ناقلات الإغاثة والبضائع وتنقل المسافرين. داعيًا الأمم المتحدة ومجلس الأمن، إلى التدخل لرفع الحصار الذي يفرضه الحوثيون على مدينة تعز.

ولم يرد قادة في القوات المشتركة على طلب "الحرف28" للتعليق حول الأمر، لكن سبق وأن أرجع مسؤولون في القوات ذاتها سبب إغلاق الطريق إلى منع محاولات تسلل الحوثيين رغم أن تلك القوات لم تشتبك مع الحوثيين في الكدحة طيلة سيطرتهم على المنطقة قبل تحريرها.

بحسب مصادر محلية متطابقة في المديريات الساحلية فإن المناطق الواقعة تحت سيطرة القوات المشتركة ممر رئيسي لمافيا تهريب وتجارة  الأسلحة للحوثيين، ومن تلك المناطق تعبر مختلف الأسلحة: من القذائف وصواريخ الكتف الى قطع غيار الطائرات المسيرة.


Create Account



Log In Your Account