بينما تزعم أنها تواجه إيران على أرضهم،  تكرس السعودية كل جبروتها لشن حرب أخرى ضد المغتربين اليمنيين..(تقرير خاص)
السبت 26 فبراير ,2022 الساعة: 05:06 مساءً
الحرف28 - تقرير - هشام سلطان - خاص

مجددا، عاود كابوس الترحيل ملاحقة العمال اليمنيين في السعودية، لكن هذه المرة بمبررات تقول السلطات إنها قانونية. 

"الحرف28" تابع سير الحملة الجديدة وأسبابها وانعكاسات ذلك على العمالة اليمنية خصوصا والاقتصاد الوطني بشكل عام في ظل حرب مدمرة تدخل عامها الثامن ، وخرج بالتقرير التالي: 

بين فترة وأخرى تقوم السلطات السعودية، منذ عقود، بحملات ترحيل ممنهجة للعمالة اليمنية، لكن تلك الحملات تصاعدت حدتها بشكل كبير منذ 7 أعوام هي عمر الحرب في البلاد. 

في العام 2014، نفذت السعودية حملة ترحيل واسعة وغير مسبوقة لآلاف العمال اليمنيين، وكان من بينهم الكثير ممن يعملون وفق قوانين العمل التي فرضتها السلطات هناك، وبعد أشهر توقفت الحملة، لكنها تجددت لاحقا مرات عدة. 

الحملة الاغرب 

كانت أغرب حملة ترحيل قامت بها السعودية في العام الماضي، ففي الوقت الذي دائما ما تبرر السلطات حملات الترحيل بمخالفة العمال للقوانين، فإن حملة العام الماضي، بدت أنها عملية ممنهجة لطرد العمالة اليمنية الملتزمة بقوانين العمل. 

في يوليو/تموز، أصدرت السلطات السعودية قرارات جديدة استهدفت وجود العمالة اليمنية، حيث طلبت السلطات من الشركات الحد من نسبة العمالة من الجنسية اليمنية وذلك بنسبة 25% كحد أقصى، واستهدفت العاملين في المحافظات الجنوبية للمملكة.
حتى اللحظة لا أحد يعلم على وجه الدقة الدوافع السعودية وراء تلك الخطوات. 

القرارات السعودية دخلت حيز التنفيذ في اغسطس من العام ذاته، وبالفعل نفذت الشركات والمؤسسات والجامعات السعودية الواقعة في  الجنوب القريبة من اليمن، عمليات انهاء جماعي لعقود عدد غير معروف من العمال اليمنيين، لكن هناك تقديرات تشير إلى انه تم تسريح الآلاف من العمال. 

حملة الترحيل هذه للعمال اليمنيين نفذت في المناطق الجنوبية المحاذية للحدود اليمنية بما فيها جازان ونجران ومناطق عسير. 

ورغم تأكيدها أن إجراءات تسريح العمالة اليمنية من أراضيها يقتصر على المناطق الجنوبية، الا أنها وسعت، لاحقا، عمليات الترحيل الى مناطق وسط البلاد وشمال البلاد، بحسب مصادر وعمال يمنيين تحدثوا، حينها، لـ"الحرف28". 

وفي هذا السياق، قالت منظمة هيومن رايتس ووتش، ان السعودية تجبر العمال الذين لا يجدون صاحب عمل آخر ككفيل على مغادرة البلاد أو يواجهون الترحيل، وهو ما قد يعني بالنسبة لليمنيين خطرا على حياتهم. 

الحملة الجديدة 

منذ نحو أسبوعين، تقوم السلطات السعودية بعمليات ترحيل فردية وجماعية، وشملت الحملة عمال كثيرون من عدة جنسيات بينها الجنسية اليمنية لكن التركز منصبا بشكل أكبر على العمال اليمنيين. 

في حديث لـ"الحرف28"، قال عمال يمنيون في السعودية إن الحملة الحالية اختلفت عن السابقة، ففي حين استهدفت الحملة السابقة العمالة اليمنية التي تعمل بشكل رسمي في الحد الجنوبي، دون توضيح الأسباب، فإن الحملة الحالية تستهدف المخالفين لنظام العمل من كافة الجنسيات. 

وأوضحوا أن السلطات السعودية قامت بترحيل الكثير من اليمنيين رغم انهم يمتلكون فيز عمل رسمية، لكنهم خالفوا بعض الشروط كأن يعمل العامل عند غير كفيله او يكسب لنفسه، أي يمتلك مشروعا لمصلحته، دون مراعاة للوضع الاستثنائي للبلد الذي تخوض فيه الدولة السعودية حربا مدمرة بمزاعم مواجهة إيران، ادت الى انهيار اقتصادي شبه تام. 

وتحضر القوانين السعودية،وهي قوانين مستحدثة على العمالة، امتلاك اي نشاط تجاري، وتقوم بمعاقبة كل من يخالف، وبالتالي يضطر الكثير من اصحاب المشاريع كتابة مشاريعهم باسماء مواطنين سعوديين وهذا يعرض اموالهم لمخاطر كبيرة تصل إلى حد فقدان أموالهم بشكل كامل. 

لا يوجد رقم دقيق لعدد من رحلتهم السعودية خلال الايام الماضية، لكن عمال يمنيون بالسعودية يؤكدون أن العدد كبير. 

تضييق 

القوانين التي تقول السعودية إنها السبب في ترحيل أي عامل من أراضيها هي في الواقع قوانين تم استحداثها مؤخرا لتبرر أي حملة ترحيل تقوم بها السلطات. 

من ضمن القوانين التي يعتبرها العمال اليمنيون وغيرهم من الجنسيات الاخرى مجحفة، منع العمل لدى كفيل غير الذي سجل اسمه لدى السلطات الرسمية، وايضا منع العمل في غير المجال الذي حدد في الفيز، ومؤخرا فرض سعودة الكثير من المهن، وبالتالي اضطر الكثير من العمال مغادرة أماكن عملهم وبحثوا عن مهن أخرى وهذا جزء فقط من الفخ الذي وضعته السلطات للعمالة، حيث يسهل عليها ضبط مخالفين كثر وبالتالي تنفيذ حملات متى ما أرادت. 
تكمن اللعبة السعودية في المقدمات التي تنتهج ما يشبه وضع الفخ للعمالة، ففي حين تمنح تسهيلات  لإصدار عشرات الآلاف من التاشيرات سنويا تذهب غالبا لمصلحة أمراء للمتاجرة بها واستقدام العمالة بينها آلاف اليمنيين، تقوم لاحقا بتجريد حملات بزعم مخالفة القوانين. 

تقول بعض المصادر للحرف 28 إن بعض التاشيرات يتم بيعها لليمنيين بمقابل يصل الى 20 الف ريال أحيانا (اكثر من 6 آلاف دولار) وهذه التاشيرات تمنح لأشخاص لا يمتلكون في الغالب اعمال او يمتلكون تصاريح ليس لها أصول على الأرض، ثم يجبرون العمال إما على العمل لمصلحتهم وأخذ نسبة من العائدات او اجبارهم على البحث عن كفيل آخر. 

إنها طريقة تتكرر منذ قرابة ٣٠ عاما وتزايدت أكثر خلال سنوات الحرب بحسب مغتربين يمنيين، لا يجدون مناصا من المغامرة لأنها الطريقة الوحيدة المتاحة للهرب من جحيم الأوضاع القاسية في اليمن بسبب الحرب. 

الأسباب الخفية 

في معظم الحملات التي تقوم بها السعودية ضد المغتربين، تبرر لها السلطات بمخالفة القوانين، لكن ما لا يعرفه الكثير - بحسب مراقبين- أن الكثير من تلك الحملات، تعود لأسباب سياسية. 

ويقول مراقبون إن السعودية تستخدم العمالة اليمنية كورقة ضغط على الحكومة اليمنية، فمتى ما أرادت تمرير قرار ما عبر الشرعية سواء في الجانب السياسي او الاقتصادي وواجهت معارضة من الاخيرة، فإنها تشهر ورقة طرد العمالة ما يجبر الحكومة على الاستجابة لما تريده الرياض، وهذا ما يفسر توقف الحملات فجأة. 

فعلى سبيل المثال، نفذت السعودية حملة الترحيل الاكبر في 2014، كضغط على الحكومة لوقف مساعيها لاستخراج النفط من الجوف، وبالفعل نجحت في ذلك، رغم ان الحكومة كانت قد اشعلت بحضور وسائل اعلام محلية وأجنبية أول بئر نفطية هناك واكدت انها ستشرع في عملية التصدير. 

غير أن السعودية تجاوزت  لعبة التلويح  بورقة المغتربين وقتها وشجعت تحركات للاطاحة بالسلطة الشرعية، وكان الدور الأبرز لمساندة الحوثيين وصالح في تدبير الانقلاب الذي تسبب بالحرب، لعبته حليفتها الإمارات التي تولت دفع الأموال للحليفين بحسب تصريحات موثقة لضابط الاستخبارات السعودي اللواء انور عشقي. 

وقال عشقي في مقابلة قبل سنوات مع قناة روسيا اليوم إن بلاده أخذت تعهدات من عبدالملك الحوثي (بعد الانقلاب) بالتخلي عن إيران لكنه نكث بوعده. 

وتمتلك الجوف، احد اكبر حقول النفط بالعالم، حيث تقدر دراسات أن الحقل سينتج نحو 6 ملايين برميل نفطي يوميا. 

وسبق ان قام نظام علي صالح بالتنقيب على النفط في حقل الجوف عبر شركة اجنبية، وبالفعل تمكنت الشركة من التنقيب واقتربت من مرحلة مد الانابيب والتصدير، لكن السعودية اجبرت صالح على وقف العمل، وانهاء العقد مع الشركة، وتكفلت الرياض بدفع التعويضات للشركة. 

الحرب والترحيل 

تعيش اليمن منذ سبعة اعوام حربا طاحنة بسبب انقلاب مليشيا الحوثي على السلطة الشرعية في سبتمبر 2014، وهو الانقلاب الذي تواطأت  السعودية بحدوثه ودعمته ب2 مليار دولار حليفتها الرئيسية الإمارات بحسب تقارير  ميدل إيست آي والكاتب الصحفي البريطاني ديفيد هيرست. 

لكن وفقا لتصريحات ضابط الاستخبارات السعودي أنور عشقي فقد نكث عبد الملك الحوثي بتعهداته للسعودية بالتخلي عن إيران،  لتعود السعودية في  مارس 2015، لقيادة تحالف عربي "لدعم الشرعية وانهاء الانقلاب ومواجهة النفوذ الإيراني " وهي الذريعة التي مازالت تستمر السعودية في رفعها للمضي في حرب حققت هدفا وحيدا : تمزيق البلاد وتدميرها، في وقت تزيد السعودية من ضغوطها على اليمنيين المغتربين. 

بعد سبع سنوات من تدخله في الحرب، لم يحقق التحالف بقيادة السعودية، أي انجاز للشرعية، بل إنه عمل على تدميرها اكثر من دعمها، حيث سيطر على القرار العسكري بالتوازي مع إنشاء ودعم ومول تشكيلات مسلحة مناوئة للشرعية ( قوات المجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالي، في الجنوب، والقوات المشتركة في الساحل) ومؤخرا، قوات الوية اليمن السعيد مع فارق ان الاخيرة تعتبر ضمن قوام الجيش الوطني، وإلى جانب ذلك عمل التحالف على ضرب كل موارد الاقتصاد. 

الحرب الاقتصادية ودور العمالة 

لم يتوقف اضعاف التحالف للشرعية على الجانب العسكري والسياسي، حيث تجاوز ذلك إلى الجانب الاقتصادي، وهو السلاح الاهم في المعركة ضد الحوثيين. 

فمنذ تدخله في مارس 2015، يواصل التحالف منع الحكومة من استئناف تصدير النفط الا من حقول قليلة لم يتحاوز انتاجها 40٪ مما كان قبل الحرب (نحو 150 الف برميل يوميا) وكذا منع تصدير الغاز المسال، والذي يكلف خزينة الدولة اكثر من 4 مليار دولار سنويا، وفقا لاسعار الغاز في 2014، علما بأن الاسعار ارتفعت حاليا بشكل كبير، ما يجعل الخسائر قد تصل إلى نحو 7 مليار دولار سنويا، وهذا ما دفع بالاقتصاد والعملة المحلية إلى الانهيار المستمر. 

تمول صادرات النفط والغاز نحو 75٪ من ميزانية البلد، البالغة نحو 14.5 مليار دولار، وفقا لميزانية 2014، وتأتي تحويلا المغتربين كثاني اهم ممول للميزانية، لكن منذ توقف صادرات النفط والغاز اصبح تحويلات المغتربين المصدر الاول. 

تشير التقديرات الرسمية إلى أن هناك أكثر من مليونَيْ يمني يعيشون في السعودية، وبينما ضيقت الرياض على العمالة التي تعمل بصورة قانونية فتحت باب الزيارات فتدفق الى هناك عشرات الآلاف، لكنهم جميعا باتوا في مأزق مع انخفاض قدرة المغتربين على الإعالة وخسارة أعمالهم واضطرار مئات الآلاف لمغادرة السعودية. 

وقدّر "البنك الدولي" في 2017 أن التحويلات المرسلة من اليمنيين في السعودية بلغت 2.3 مليار دولار أمريكي سنويا. 

وشكلت التحويلات المرسلة من السعودية 61% من إجمالي التحويلات المرسلة من الخارج، وفقا لـ"وزارة التخطيط والتعاون الدولي" اليمنية في 2018. 

في يونيو/حزيران 2020، وصف مارك لوكوك، وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية السابق، التحويلات باعتبارها "أكبر مصدر للنقد الأجنبي في البلاد منذ عدة سنوات"، والتي "وفرت شريان الحياة لملايين الناس". 

مطالبات بوقف انتهاكات السعودية 

أواخر العام الماضي وبينما تلتزم السلطة الشرعية القابعة في الرياض وحكومتها الضعيفة الصمت حيال التضييق المستمر على آخر شريان لحياة اليمنيين، أصدرت منظمة هويمن رايتس ووتش تقريرا حول حملات الترحيل السعودية للعمالة اليمنية. 

وفي التقرير، قالت أفراح ناصر، باحثة في شؤون اليمن في هيومن رايتس ووتش: إن "السلطات السعودية تُسرّح الموظفين اليمنيين وتهدد بإعادة المئات، وربما الآلاف، قسرا إلى النزاع المستمر والأزمة الإنسانية في اليمن". 

وأضافت"تسعى السعودية دائما إلى الحصول على الثناء على ’مساهماتها الإنسانية‘ في اليمن، لكن هذا القرار يُعرّض العديد من اليمنيين لخطر جسيم". 

واشارت المنظمة الدولية، الى ان السعودية ساهمت في الأزمة الحقوقية والإنسانية في اليمن بسبب الانتهاكات  المتكررة لقوانين الحرب  التي يرتكبها التحالف بقيادة السعودية في اليمن، والتي فاقمت الكارثة المستمرة ودمرت البنية التحتية للبلاد. 

ودعت  السلطات السعودية، إلى إلغاء سياساتها بشأن تأشيرات العمل التي يمكن أن تؤدي إلى عمليات إعادة قسرية جماعية لليمنيين إلى حيث تكون حياتهم معرضة للخطر جراء النزاع والأزمة الإنسانية المستمرين". 


من جانبه، قال مارتن غريفيث، وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية المبعوث الاممي السابق إلى اليمن إن التحويلات المالية من السعودية تتعرض للخطر، مؤكدا أن تلك التحويلات "مصدر دخل مهم للغاية لكثير من الناس في اليمن". 

وطالب غريفيت بحماية التحويلات المالية من المغتربين اليمنيين في السعودية إلى أسرهم في اليمن.

في الواقع،  بينما تتحدث الرياض باستمرار عن خطر إيران على أمنها القومي والأمن العربي، وتتدثر بهذه الذريعة للاستمرار في حرب ضد مليشيا الحوثيين الموالية لإيران، دون تحقيق نتائج حاسمة رغم امكانياتها الضخمة، فإنها من جانب آخر تضيق الخناق على مئات آلاف الاسر اليمنية والمغتربين، دون مراعاة ظروف الحرب وآثار سياساتها المفيدة لإيران والحوثي كما يقول مراقبون. 

فهل تسعى السعودية لانقاذ اليمن أم تستغل الحوثي للإستمرار في تدمير البلاد وتجريد المغتربين من حصيلة أعمارهم وتعبهم المهدر في الغربة ؟



Create Account



Log In Your Account