(خلف ستائر فيينا ).. فخامة العنوان وعمق الرواية
الإثنين 15 أُغسطس ,2022 الساعة: 12:59 مساءً
مقبول الرفاعي - فيينا - النمسا


حين تقرأ العنوان يتملكك الفضول والتحليل والتنبؤ،
يأتي لك الخيال من كل اتجاه.

تُرى ما الذي سأجده ( خلف ستائر فيينا) وبماذا ستغوينا الكاتبة (لوريس الفرح ) المقيمة في العاصمة النمساوية فيينا من خلف الستائر ؟
ولما ذا لم تكن من خلف الأبواب أو الاسوار ؟
هل لأن الستائر مرتبطة بثقافتنا العربية ؟
هل لأننا نستطيع الرؤية المتبادلة ؟
هل لجمال وألوان وطبقات ونقوش تلك الستائر ؟
استوقفني العنوان كثيرا، لم اتجرأ الولوج الى داخل تلك الستائر، ولأني لا أستعجل حرق المسافات، ولأني أيضا استمتع بالتفاصيل، بدأت أتلمس كتابة العنوان المكتوب بغلاف الرواية، أتلمسه بيدي كأني اقرأ بواسطة اللمس على نمط (برايل  ).

قرأت تفاصيل الغلاف الأمامي كماهي عادتي مع الكتب تمعنت باللوحة المرسومة فيه، ثم انتقلت الى الغلاف الخلفي، قرأت عن الرواية مالم يُشبع نهمي، وقرأت أيضا موجزا مختصرا عن الكاتبة لم يُعرفني بها كما أتمنى.

عندذلك عزمت على الإبحار فيها، والخوض في تفاصيلها،
ولأن الرواية ليس لها شاطئ متدرج يمضي بك بالتدرج نحو العمق،
وجدت نفسي مباشرة في أعماقها من أول وهلة ودون أن أعمل أي احتياطات، وهكذا تجد أسلوب الكاتبة في كل تفاصيل وأحداث الرواية،
لامجال لديها للشواطئ،
ولا يستطيع القارئ أن يتنبه من  أن مايقرأه حلم أحد ابطال الرواية أم أنه يمارس تلك الحقيقة، تلعب بذكاء منقطع النظير في ادخال مشهد الحلم بالحقيقة، وسرعان ماتوقظك لتقول لك انتبه ان هذا حلم للبطل وليس حقيقة دون أن تكتب لك ذلك كتابة صريحة.

غصت فورا في الأعماق وجدت نفسي بين اللؤلؤ وشعب المرجان، في مشاهد مثيرة متكررة الإثارة، ومتجددة كلياً  في كل منعطفات الرواية.

لاأدري كيف استطاعت ان تسيطر هذه السيطرة المحكمة من ألفها الى يائها،لم يكن للكاتبة  مدرسة واضحة اتبعتها، فالرواية كلاسيكية حديثة، مزجت هكذا، وكأنها تُنشئ مدرسة جديدة أرادت أن تقول انها مدرسة لوريس الفرح .
تدخل الى مشاهدالرواية الممتدة 24 فصلا  رئيسيا، لاتدري كيف خطفتك لتضعك في التفاصيل الدقيقة للمشهد التالي، وفي عمق الحدث دون سابق إنذار بأسلوب مذهل وعجيب، 
ثم تٌخرجك منه بنفس الطريقة المفاجئة، لتشاهده وكأنك أمام مشهددرامي كنت جزء منه قبل لحظات،
إنها القدرة على التحكم والسيطرة في ادارة المشاهد التي تطوعها كما يطوع الصائغ الماهر سبائك الذهب فيخرج منها نقوشه وحليّه الإبداعية، وكل المصوغات الذهبية المغرية والمثيرة.

لغة الرواية :
تفردت الكاتبة لوريس الفرح بين قرنائها الكُتّاب وخاصة كتّاب العقد الأول من هذا القرن تميزت باللغة الفصحى ، ولم تستسلم لضغط استخدام المفردات ( العامية) واللهجات الدارجة، التي لجأ اليها بعض الكتاب ظنا منهم انها تسهل القراءة وتوصل الفكرة.

استخدمت الكاتبة لوريس الفرح تلك اللغة وراهنت على تميزها بجذب القارئ  للأحداث بأسلوبها في صناعة المفردات الجاذبة الآسرة للألباب.

قرأت الرواية ( 240) صفحة قراءة متتالية في يومين فقط،
علقت ب 149 تعليقا بقلمي، لم افوت ( شاردة او واردة) كما يقال، عشت المشاهد السعيدة والمؤلمة، المفرحة منها والمغضبة، عشتها كأني احد ابطالها، وهذا هو التأثير الحقيقي حينما يجعلك الكاتب تعيش الألم والفرح، النجاح والإخفاق وكأنك أحد أفراد اسرة الرواية ..
تمتاز الرواية أيضاً بأنها تجعلك تتعاطف مع أحد الابطال حتى يتلبسك افكاره وأحاسيسه، وتنحاز له في كل تفاصيله، وفجأة تأخذك الكاتبة لتقول لك انتبه من هذا الانحياز، وتأتي بصورة البطل المقابل الذي كان في دائرة الإتهام  فتلبسه اجمل لباس الإنسانية، وتجعل مساوئه الظاهرة حسنات خفية، كنتَ تجهلها.

حوار العقل والعاطفة :
غاصة الكاتبة في حوارات تزيد القارئ كنوز معرفية إضافية، تستطيع أن تخرجك لوهلة من اجواء السرد القصصي، وهي في عمق الموضوع، الى أجواء الحوار الثقافي في تحدٍ واضح لكل ناقد، فتكسبك معارف ، لاتجدها إلا في كتب الادارة والقيادة، وصناع الحياة.

الرواية والشعر :
أغلب فصول الرواية كانت تبدأها الكاتبة لوريس الفرح بإبداعها كشاعرة كأنما تأتي بالقارئ عبر حديقة غناءة  تأخذه الى فصل الرواية القادم وهو مستمتع بورودها وأريجها وطلها المنثور فوق الأوراق.

الرواية الصادرة عن دار كنانة في دمشق
تدور احداثه حول قصة حب لم يفضي الى الزواج، وقصة زواج لم يرافقه الحب،
لكن أحداثها المؤلمة، تعدت لغة الحب التي يتغنى بها ( المحبون) ولغة التضحية التي جعلت ( ريم )
تمزق شريان سعادتها، وتقطّع أوصال قلبها، في الوقت الذي كانت تستعد لاختيار فستان عرسها، وتحديد زمن ومكان زفافها، في تلك الأجواء المبهجة، و تصرفاتها ( المجنونة) فرحاً.

عندماصُعقت بخبر الطبيب، من أن الزواج هذا سيكون وبالاً على قلبها إذا مافكر الزوجان بالإنجاب ،،،
أوالذي جعل (تيم) التواق للأبوة والحالم بالأطفال، يتنازل عن تلك الأحلام، ويقبل بزوجة يحبها، ولو فقد الكون بمافيه.
أحداث وأمنيات ومواقف أشعلت لهبها واحترق بنارها كل قلب متصل بقلبي ( تيم) و (ريم ).

ابتداء من (رامي) الأخ الأكبر لتيم، الذي حاول ان يكون شوكة الميزان بمايمتلك من رجاحة عقل وعمق فكر ، وانتهاء ب (تالا  ) التي كانت سببا قاتلا لمستقبل(لين)
وسبباًرئيسياً لموت (ريم).

نهاية الرواية :
لن أتحدث عن النهاية،
فنهاية الرواية تحتاج مني أن أفرد لها (رواية) لأن الإثارة التي ختمت بها الكاتبة روايتها وأوصلت القارئ إليها،
تُقسّم القراء الى اقسام متعددة، بين من يؤكد انها انتهت، ومن ينسب البطل الذي غادر المكان بسيارته من الباب الخلفي في لحظة فارقة لا ينبغي المغادرة فيها   الى شخصية معينة يخالفه القارئ الآخر، وبين من ينتظر الجزء الثاني من الرواية، ومن ينتظر التوضيح من الكاتبة.

فكما بدأتها بالإثارة انهتها بالإثارة نفسها، وفتحت سؤالا كبيرا لم يستطع القارئ الإجابة الصريحة عليه.
من ذلك الذي امتطى سيارته على غفلة من الجميع وغادر المكان من الباب الخلفي في هذه اللحظة الفارقة من الزمن وترك الجميع ينتظرونه والى أي مآل انتهت الحكاية و .. و  و ؟

 


Create Account



Log In Your Account