بين رماة الرسول ورماة الرئيس..!
الجمعة 11 نوفمبر ,2022 الساعة: 06:50 مساءً

تحكي لنا السير، وكذلك التاريخ العربي والإسلامي، أن القيادة السياسية والدينية المتمثلة بالرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد رتبت لمعركة كبيرة فيها من التحدي الشيء الكثير، البالغ حد محاولة المشركين استئصال المسلمين وقيادتهم ثأراً لهزيمتهم في بدر من قبل.


كانت معركة أحد تجهز بكل تدابيرها وتخطيطاتها، واختيار الموقع بعناية فائقة من قبل الرسول؛ بحيث يكونون مستندين إلى جبل أحد حماية لظهورهم من أي التفاف أو ارتفاع، وبجوار الجبل تلة صغيرة لكنها استراتيجية تهيمن على أرض المعركة، ومن يسيطر عليها يسيطر على المعركة؛ فهي أهم ثغرة في تحول المعركة، لذلك رتب عليها الرسول صلى الله عليه وسلم رماة من أمهر الرماة لحماية ظهر المسلمين في الميدان.


لم يألُ الرسول صلى الله عليه وسلم جهداً وهو يكرر وصاياه للرماة وتحذيرهم من أن يتركوا مواقعهم مهما كان الثمن، ومهما كانت الظروف على الأرض، بلغ حداً من التشديد – بعين القائد الاستراتيجي الملهم- أن قال لهم: "لا تتركوا مواقعكم حتى لو رأيتم الطير تتخطفنا"!


على الجانب الآخر، كان خالد بن الوليد، القائد المحنك والداهية الاستراتيجي، ينظر كذلك بعين الصقر المتربص لذلك الموقع، وهو يراه أنه شوكة ميزان المعركة، لم يشارك في المعركة أبداً، ولم يخض غمارها في أول الأمر، وظل يرقب تلك النقطة عن كثب، وكيف يجد سبيلاً لإسقاطها وإزاحة رماة المسلمين عنها!


عند تحول المعركة وميلان كفتها لصالح المسلمين اجتهد كثير من الرماة آراءهم، ورأوا بوارق النصر تلوح في الأفق، وكانت شهية الغنيمة هي الطاغية عليهم، وما أدراك ما الغنيمة؟!
الغنيمة التي حولت كثيراً من مصائر معارك المسلمين الكبرى إلى هزائم استراتيجية غيرت وجه الأحداث التاريخية العسكرية والسياسية. 

ترك الرماة مواقعهم، وخالفوا أمر القائد الحكيم، وبسبب عصيان أمر القيادة تحولت استراتيجية المعركة كلها، وانقلب النصر إلى هزيمة، وكان كل ذلك بتدبير خالد بن الوليد، ودفع المسلمون أثماناً باهظة لتلك المعركة!



أهم قياداتها العسكرية تقتل، وقيادتها السياسية والروحية تكاد تهلك، والنبي يصاب ويكاد يُقتل، وسبعون شهيداً من خيرة الصحابة يذهبون ضحايا لتلك المخالفة البسيطة!


كثير من الأحداث التاريخية وهزائم المعارك تكون إما بسبب مخالفة القيادة؛ كون القيادة هي التي خططت وأعدت ورأت، بينما الجيوش عبارة عن أداة منفذة لمخططات استراتيجية القيادة لم تطلع على المخططات، وهذا أمر طبيعي حتى لا تتسرب الخطط من بين يدي القيادة، أو من صنع القيادة الفاشلة التي تورد الشعوب والجيوش المهالك.



على العكس من ذلك تماماً حصل في دولتنا اليمنية الحديثة؛ رماة الدولة (رماة الرئيس) يلتزمون مواقعهم، ويخططون ويستعدون لمعارك فاصلة مع الحوثيين ابتداءً من دماج وسفيان وعمران وحتى صنعاء، ولا يبرحون مواقعهم؛ لأنهم علموا أن رماة أحد حولوا مصير المعركة، كانوا ينتظرون التعليمات، ينتظرون التعزيزات، ينتظرون خطابات القيادة الملهمة كدافع تعبوي للمعارك، لكن في كل مرة يصابون بخيبة أمل كبيرة لم يُرَ مثلها في التاريخ!


بدل أن تكون القيادة في مقدمة الصفوف قيادةً وتخطيطاً ودعماً وتعبئة، مستنفرة كل وسائل الدولة ومؤسساتها، كانت تتعمد النوم والسكون والمشاهدة من بعيد، بل وتصف الرماة بأنهم مليشيا لا دخل للدولة فيها!


كان أول خذلان من قبل الرئيس الأسبق علي عبدالله صالح لسفيان والشيخ صغير بن عزيز أثناء مواجهته الحوثيين بين شهري يونيو وأغسطس من العام 2010، وترك بن عزيز ومديرية سفيان يواجهان مصيرهما بالقتل والتشريد والنفي وتفجير البيوت واحتلال مديرية سفيان من قبل المتمردين الحوثيين، وكان صالح وقتئذ هو الذي ترك المليشيا الحوثية تتمدد وتسيطر على الأراضي وتصفي المتعاونين مع الدولة.


 
مضى الرئيس هادي على خطى سلفه صالح للتمكين للحوثيين، وربما كان الأمر أجندة دولية تنفذ على مرأى ومسمع الجميع، وأكبر من قدرة القيادتين على مواجهتها، بل ومنع دولي لمواجهتها، وهذا لا يعفيهما البتة من مسؤوليتهما، وكان عليهما أن يواجها بقوة كما فعل أبي أحمد مع متمردي التجراي رغم أنها نفس الأجندة، لكن أبي أحمد تغلب عليها، في حين لم يفعل صالح وهادي شيئاً تجاه الحوثيين، بل وقدما الشعب قرباناً لتلك الأجندة التي راحا ضحيتها في نهاية المطاف.


موقف صالح من بن عزيز وسفيان هو ذات الموقف الذي فعله هادي مع سلفيي دماج بأن قال لهم الرئيس المعني والمسؤول عن كل فئات اليمن: لا أستطيع أفعل لكم شيئاً، وتوقيع الاستسلام والصلح مع الحوثيين لصالحكم..هكذا قالت القيادة السلفية على لسان الناطق باسمهم في تلك المعارك (سرور الوادعي)!


الناطق الرسمي باسم سلفيي دماج سرور الوادعي قال: "الرئيس هادي اتخذ قراراً بتهجير 13 ألف نسمة إرضاءّ للسيد الحوثي وكسبه في صفه، وتقديم منطقة دماج على طبقاّ من ذهب لمليشيات الحوثي، وأن ذلك الاتفاق وصمة عار في جبين هادي". 


الوادعي أوضح أن الشيخ يحيى الحجوري [زعيم السلفيين]، فوض الرئيس هادي بحل مشكله دماج، بحلول واقعية وعملية على الميدان من خلال وقف الحرب وردع الحوثي وإنهاء معاناة سكان دماج، وليس قرار الرحيل وإخلاء السكان لمزارعهم وممتلكاتهم ومنازلهم".


مضت خطوات المعركة والتمكين لصالح الحوثيين، وكلما حققوا نصراً بسيطاً في الميدان، وكلما خذل الرئيس جزءاً من شعبه وقطعة من اليمن ازدادت شهية الحوثيين، وخنع الناس لهم مسلِّمين، والرئيس لا يفعل شيئاً، بل يزيد من ترجيح كفتهم كلما نهضت قبيلة ومكون لمواجهتهم تنكَبُّ تصريحات الرئيس ضدها؛ نهض الرماة مجدداً في حاشد ولم يتركوا مواقعهم حماية لبوابة الجمهورية الشمالية، فمواجهة آل الأحمر للحوثيين في حاشد بنظر الرئيس صراع مليشيات وصراع نفوذ قبلي والتخلص من عقبة أمام حكمه، ومرة أخرى يخذل رماته!


تقدم رماة الرئيس هذه المرة في عمران، واتخذوا مواقعهم في نقطة ضبر، وتمترسوا في جبلي المعشاش وضين، وحرسوا بوابة عمران الشمالية التي هي بوابة صنعاء وبوابة الجمهورية والدولة، وكان هذه المرة صراحة باسم الدولة والجيش؛ محافظ المحافظة محمد حسن دماج، وحمزة أحد الثانية حميد القشيبي، كلٌ قد أخذ موقعه، وكلٌ خطط لإدارة المعركة حماية للدولة والجمهورية، والرماة موزعون على جبال عمران في المعشاش وضين وغيره، وبدل أن يقول الرئيس للرماة اثبتوا ونحن من خلفكم داعمون ينهض الرئيس مسارعاً لنزع أقواس الرماة وسهامهم ويسلم رقابهم العزلى للحوثيين؛ يقيل محافظ المحافظة محمد حسن دماج تلبية لطلب الحوثيين، ويأمر القشيبي بالانسحاب وترك المعركة، يرفض القشيبي ويتم خذلانهم بعدم مده بالتعزيزات لا من ناحية الذخيرة ولا من الرجال، وتتم تصفية حارس جبل (أحد) وبوابة المدينة في الثامن من يوليو 2014!


يرسل الرئيس هادي (ابن سلول الحسني) وهو وزير دفاعه، فيصف الجيش بالمليشيا ويستقبل (أبو علي الحاكم) في جبال همدان بالحفاوة، ومن هناك يطلق التصريحات أن المواجهة بين مليشيا الإصلاح والحوثيين، والجيش يقف على الحياد بين المكونات السياسية! 

وعمل الحسني بأمر الرئيس على تفكيك متارس الجيش في جبل ضين والجائف وهمدان ليملأها الحوثيون بدلاً عن الجيش الذي يعتبره حينها عناصر مسلحة تابعة للفريق علي محسن الأحمر ، ولا يستنكف من ذلك بغدر الحوثيين بالاتفاق وإحلال مليشياتهم محل النقاط العسكرية للدولة.


 في تلك الظروف كانت الجماهير تحتشد في مسيرة مليونية في صنعاء والمحافظات الأخرى دعماً للجيش وللدولة تحت لافتة "الاصطفاف الوطني"، وتتحرك تلك المسيرة أمواجاً بشرية عاتية إلى أمام بيت الرئيس هادي في شارع الستين بالعاصمة صنعاء دون أن يكترث لهم، ودون أن يكلف نفسه إلقاء كلمة ولو حتى رد السلام، كما كان يفعل سلفه صالح الذي لا يترك ثغرة إلا وألقى فيها خطاباً حتى وإن كان غير صادق ولا يلبي المطالب، لكنه كان لا يترك تلك المناسبة دون كلمة منه!

حينها علم اليمنيون أن من يمهد للحوثي لدخول صنعاء هو الرئيس هادي تنفيذاً لأجندة خارجية، والذي كان يضغط بكل الوسائل على من يتصدى للحوثيين وينزع عنهم شرعية المواجهات حتى لا يصطف الجماهير خلفهم!

على بوابات صنعاء الشمالية المختلفة انتشر الرماة حماية لآخر كرامة الجمهورية وقلاعها، شاعرين بمسؤولياتهم تجاه الجمهورية والدولة والوطن أكثر من شعور مسؤولية الرئيس، ومرة عاشرة يخذلهم. 


في تلك اللحظات الحرجة يفتعل الرئيس تبني جرعة جديدة لتكون القشة التي يتمسك بها الإرهاب الحوثي لغزو صنعاء، ويصم الرئيس أذنيه عن المطالب والنداءات المطالبة له بالتراجع عنها سحباً للذرائع الحوثية وأنصار الرئيس السابق، كمن كان يشرع لهم الدخول ويمنحهم أسباب التدخل، فضلاً عن قيامه بتغيير قيادة المنطقة الشمالية الغربية (المنطقة السادسة) من عناصر موالية للدولة محافظة عنها إلى عناصر موالية للانقلابيين الحوثيين وهو محمد الحاوري!


في تلك الأثناء يغادر مستشاره العسكري والأمني اللواء علي محسن ميدان السياسة ويلبس بزته العسكرية ويذهب لمقر الفرقة الأولى مدرع بمن معه للعمل على التصدي للحوثيين، وليكون كبار الرماة يومها، لكن يخذله الرئيس في أدق اللحظات حرجاً، ويأمره بترك مكانه على الفور قبل أن يتم إبادته من إحدى معسكرات الصباحة التي كانت تمطر مقر الفرقة بالصواريخ والقذائف وإحداها كادت أن تودي بمحسن والطقم الذي يقله، ويقول له: خلاص..انتهى كل شيء!


في حقيقة الأمر، بينما الحوثيون في عمران يتمددون، كان محسن والإصلاح قد جهزوا قرابة أربعين ألف مقاتل حشدوهم من جميع أنحاء الجمهورية للدفاع عن العاصمة صنعاء، واتخذ كثير منهم مواقعهم في كل محيط صنعاء وعمران، لكن الرئيس هادي نزع عنهم الصفة الشرعية للمواجهة من ناحية، ومن ناحية أخرى علموا أن المطلوب كان رأس الإصلاح وكل داعمي الدولة وإنهاء الجمهورية، ولم يبق إلا هم في الساحة بينما كانت كل القوى ووسائل الإعلام داخلياً وخارجياً تصطف مع الحوثيين في تعبئة إعلامية رهيبة بحجة أنهم سيعملون عملية قيصرية صغيرة فقط في العاصمة صنعاء ومن ثم يعودون أدراجهم إلى صعدة، تم وقف هذه العناصر وانسحابها من المواجهة، وعلم الجميع بعدها أن رأس الجمهورية والدولة هو المطلوب وليس الإصلاح ومحسن وجامعة الإيمان فحسب، وبان كل شيء على حقيقته.



 في هذه الظروف كان الرئيس هادي عبارة عن حصان طروادة الذي يمرر كل تلك الأجندة، بدليل حتى أنه حين تم الانقلاب عليه وخروجه إلى عدن لم يُصعِّد خطابياً، ولم يلبِ مطالب الجماهير والشعب والمكونات بأن يصنف الحوثية مليشيا إرهابية، وفي كل مرة – على قلتها – كانت خطاباته باهتة لا تفي بالغرض المأمول، ولا ترقى إلى مستوى التحديات، بل إنه - كرجل عسكري في المقام الأول- لم يعلن حتى التعبئة العامة في أوساط الشعب لمواجهة الانقلاب واسترداد الدولة، وحتى الجيش الذي تكون فيما بعد وقاوم يظل دون مرتبات لقرابة السنة مع وجود الأموال في البنوك!


يدخل الحوثيون صنعاء غازين غادرين وعباس ما زال يصقل سيفه لوقت الشدة غير المعلومين، ويجتمع إلى وزيري الدفاع والداخلية ويتهكم بهذا الأخير لماذا لا يدافع عن صنعاء، فيرد عليه أن هذه مسؤولية الجيش ووزير الدفاع، لكنه يستأنف طلباً من الرئيس أن يعطيه السلاح للدفاع عن صنعاء فيرمي أمامه قصاصة ورق طالباً من وزير الدفاع أن يمنحه ثلاثة آلاف صميل!!


من هنا ينكشف كل شيء على حقيقته، وبتلك القصاصة الصغيرة تم معاينة وتفسير كل الأحداث السابقة، لتطوى صفحة الدولة إلى حين!


هناك الكثير من التفاصيل والمحطات التي لا يغفل التاريخ عنها لتدوينها في صفحات ما جرى في اليمن، ودور كل واحد في خذلان الجمهورية والدولة والشعب، على الرغم من كل التحذيرات التي سبقت كل تلك المآسي والناس يرقبونها عن كثب لا تخفى عن الطفل الصغير، فضلاً عن الدولة ومسؤوليها بكل أجهزتهم ومؤسساتهم.


Create Account



Log In Your Account