هل أنتحر أم قتل لأسباب عنصرية؟ .. "الحرف 28" يتتبع قصة اختفاء المهندس اليمني الذي عثر على جثته في ولاية بألمانيا
السبت 07 يناير ,2023 الساعة: 04:37 مساءً
الحرف28 - هشام المحيا - خاص


قبل حوالي شهرين، اختفى الطالب اليمني في ألمانيا أسامه البيتي عن الأنظار بصورة مفاجئة . كانت عائلته العدنية هي الأكثر قلقا من هذا التغيب المفاجئ فقد انقطع التواصل بينه وبينها على غير العادة، قبل أن تتجلى الحقيقة الصادمة أواخر الشهر الماضي : العثور على جثته بإحدى المستشفيات الألمانية. 

ما زاد من شكوك العائلة حيال واقعة اختفاء ابنها رواية السلطات الالمانية التي  قالت إن أسامة البيتي توفي منتحرا، وهي الرواية التي لم تشكك فيها السفارة اليمنية لدى برلين أو تؤكدها بينما رفضتها أسرته... فما الذي حدث؟ 

ولد أسامة البيتي في  29/12/1994 في محافظة عدن  الشيخ عثمان، تربى وترعرع بين عائلته المكونه من 16 فردا عشر من الشقيقات  وثلاثة من الأشقاء الذكور إلى جانب والده ووالدته. 

         حياة البيتي العلمية 

عرف أسامه بالتفوق في دراسته  وقد اجتاز  الإمتحان التنافسي لدراسة الثانوية في مدرسة البيحاني النموذجية وهي افضل ثانوية للبنين في المحافظات الجنوبية وتخرج منها بأعلى العلامات. 

أتاح له هذا التفوق والبروز الحصول على منحة لدراسة الإنجليزية في معهد امديست وقد حاز شهادة دبلوم من المعهد واجتاز امتحان القبول بجدارة وحصد المركز الثاني بين المتقدمين في كلية الهندسه آنذاك في جامعة عدن. 

للسبب ذاته، وهو التفوق ، تمكن أسامة من الحصول على منحة دراسية على نفقة مجموعة رجل الأعمال الحضرمي التجارية الشهير بقشان ، فانتقل لدراسة الهندسة المدنية في جامعة جازان في المملكة العربية السعودية. 

في فبراير 2016 توفيت والدة أسامه، وتقول شقيقاته إنها " لم تغفل يوم عن ذكره وداعواتها له، وكان حينها يدرس في السعودية".

من الجامعة السعودية تخرج البيتي بامتياز وحصل على شهادة  البكالوريوس في الهندسة من جامعة جازان كما حصل على عضوية نقابة المهندسين في المملكة العربية السعودية.

كان أسامة طموحا ويحلم بمواصلة دراسته العليا فقدم على منحة لدراسة الماجستير في الكثير من الجامعات وتم قبول المنحة في جامعة دريسدن TECHNISCHE UNIVERSITAT DRESDEN بألمانيا على نفقته الخاصة. 

وقد اجتاز دراسة اللغة الألمانية بتفوق واندمج  بين الشعب الألماني في العمل ببعض الوظائف هناك لتوفير مصروفه الشخصي ودفع كل رسوم الجامعة دون تأخير. 

عرف أسامة طيلة حياته بالمثابرة والإستقامة، وكان متدينا بتوسط، وكان حضوره في حياة شقيقاته وعائلته يبعث البهجة والمرح لشاب مقبل على الحياة ويسعى لحجز مكان بارز فيها كما تقول أسرته.

منتصف أكتوبر الماضي وتحديدا في 15 أكتوبر،  اختفى أسامة  البيتي، بشكل مفاجئ، فافتقده  زملاؤه الذين يعرفونه ، بينما كانت أسرته تعيش حالة هلع فقد انقطع اتصاله بها وظلت واقعة اختفائه غامضة لأكثر من أسبوعين.. 

بداية النهاية 

تقول شقيقات أسامة إنهن كن على تواصل يومي به وانه وعدهن بجمع شمل الأسرة،  التي يتواجد بعض أفرادها خارج البلاد، واللقاء في عدن في يناير 2023.

لم تجد الأسرة طريقة للوصول إلى إبنها أسامه حتى وصلها نبأ العثور على جثته في ثلاجة مستشفى الجامعة في المانيا في 28 ديسمبر. 

لقد حدث ما كانت تخشاه العائلة منذ واقعة اختفاء أسامة،  وهناك ما حال بين اللقاء الموعود وبين أسامة وعائلته لتبدأ قصة حزن مقيم لدى الأسرة التي عرف أبناءها وبناتها بالإهتمام بالتعليم والتفوق كما يقول جارهم الكاتب مجيب الرحمن الوصابي في حديث للحرف 28.

تقرير السلطات الالمانية 

التقرير الامني للسلطات الالمانية صنفت وفاة البيتي على أنه انتحار، وتذهب رواية الشرطة إلى أن أسامة ألقى بنفسه من سكنه في الطابق السادس. 

مع ذلك لم توضح لماذا استمرت واقعة وفاته واختفائه طيلة تلك المدة؟

تقول السفارة اليمنية في بيان توضيحي حول الواقعة بعد إنشاء شقيقاته صفحة خاصة على فيسبوك لمتابعة القضية وطرحها للرأي العام، إنها تلقت بلاغا من زملاء أسامة  باختفائه في 28 أكتوبر أي بعد واقعة اختفائه ب13 يوما. 

نوهت السفارة إلى أنهالم تتلق من عائلة المتوفي أي بلاغ باختفائه قبل بلاغ زملائه.
بحسب بيان توضيحي للسفارة فقد تواصلت السفارة بالسلطات الأمنية عن واقعة الإختفاء، وتلقت ردا بأن السلطات بصدد استكمال التحقيقات، ثم أرسلت تقريرا للسفارة  في 1 نوفمبر الماضي يؤكد وفاة أسامة وأسباب الوفاة. 

تقول السفارة إنها تتحفظ عن ذكر أسباب وفاة الطالب " احتراما لخصوصية القضية واكراما للمتوفي ومراعاة لأسرته في مصابهم" مع التاكيد بان الاسرة تلقت نسخة من التحقيقات عن اسباب الوفاة. 

حرصت السفارة على التأكيد بأن "  الجهات الرسمية  الألمانية حقفت بصورة نظامية ووضحت الدلائل والنتائج في تقريرها وأغلقت القضية بناء على تلك النتائج ".



موقف الأسرة وطرف الخيط 


اسرة البيتي رفضت بشكل قاطع الرواية الالمانية بأن ابنها أسامه قد انتحر، مؤكدة أنه" لم يكن لديه اي مشاكل لا مادية ولا صحية وأنه غير عاطل عن العمل وفي الوقت ذاته طموح وذكي وعنده خطط مستقبلية عن حياته".

كتبت شقيقته فاطمة على فيسبوك بحزن وتهكم " قالوا لنا أن اسامة انتحر من الدور السادس من شقته، تتخيلوا هذا اخي المسلم المؤمن الصلب القوي العنيد الذي صلى الجمعة يومها، أنه انتحر ". 





ما يجعل العائلة تتمسك بنفي رواية السلطات الألمانية بانتحار أسامة هو ان الشاب، ليس لديه أي مشاكل وعلى العكس من ذلك، كان مرحا ويصنع الابتسامة والضحك في روح عائلته.

تقول فاطمة أن شقيقها المهندس أسامة كان انسانا طبيعيا "وفرفوش وضحوك" ونفت وجود أي مشاكل في حياته حتى أنه  قام بتسديد قسط الجامعة  وأموره كلها ممتازة.

وأوضحت فاطمة أنه كان يخبرها عند كل اتصال أن أحواله جيدة وأنه يشعر بالإرتياح لأن أموره " طيبة". 

آخر اتصال لأسامة بشقيقته كان في 9 أكتوبر  تحدث معها لساعة إلا ربع وكالعادة كانت المكالمة بين الشقيقين عبارة عن" ضحك ومزح وجد وخطط عن مستقبله". 

وقتها أخبرها ان كل أمور حياته جيدة باستثناء عدم إرتياحه بالعمل الجديد بسبب مضايقات مديره العنصرية. 

هناك اتصال آخر جرى بين أسامة وشقيقته الأخرى مروى المقيمة في عجمان بدولة الإمارات  بتاريخ 10 اكتوبر عبر الفيديو. 

تقول فاطمة إن شقيقتها أخبرتها بأن الاتصال مع أسامة استمر لمدة ساعتين لم يكن يشكي من شيئ  وكان يضحك معها واستمرت المكالمة حتى قال لشقيقته "خلاااص خدودي صارت توجعني من الضحك " 

هل قتل بدوافع عنصرية؟ 

يعيش أسامة في مدينة دريسدن وهي عاصمة ولاية سكسونيا، وتزدهر فيها الجماعات العنصرية المتعصبة ضد الأجانب، وشهدت أعمال قتل عنصرية تحدثت عنها وسائل اعلام دولية. 

ذلك جانب من القصة الذي يجعل من فرضية " إنتحار  أسامة" محل شك. 

غير أن هناك ما يمثل للأسرة ما يشبه طرف خيط ليعزز شكوكها، فقد كشفت شقيقته فاطمة أن اسامة تواصل معها في مطلع أكتوبر واخبرها بأنه يتعرض لمواقف عنصرية من قبل مديره المباشر بالعمل، وهذا ما يفتح الطريق لنفي رواية الانتحار. 





شكوك بأداء السلطات 

لكن السؤال: لماذا تحركت السلطات الألمانية فقط بعد تلقيها بلاغ رسمي من السفارة اليمنية، ثم لم تلبث سوى 3 أيام حتى حققت وكشفت عن الامر بتلك السرعة، بينما أختفت أي أنباء عن أسامة لأكثر من أسبوعين؟

يقول بعض المتابعين للقضية إن هناك الكثير من الفجوات في الرواية الرسمية الألمانية، فالشاب الذي يدرس الماجستير طالب في جامعة ولديه وثائق إقامة رسمية، وهو يسكن في مكان يخضع لمتابعة السلطات،  وموثق لديها، وتتوفر بيانات كاملة عن السكان. 

يتساءل البعض: إذا كان أسامة انتحر، فهل يعقل أن السلطات لم تفتش المكان الذي كان يسكنه للحصول على وثائقه ومعرفة هويته باعتبار ان جثته مجهولة؟ 

بالنظر إلى تلك المعطيات فإن أي تحقيق بسيط يمكن أن يقود إلى سكنه وجامعته لمعرفة هوية الطالب، ومن ثم إبلاغ السفارة اليمنية في برلين، هذه الشكوك تثير الكثير من الأسئلة وتعزز نفي رواية الإنتحار .

يثير اخفاء السلطات الالمانية لخبر وفاة البيتي الكثير من التساؤلات حول ما اذا كان البيتي قد قتل على خلفية دوافع عنصرية، وأرادت السلطات تمييع القضية أم أن ثمة أسباب أخرى. 

كل ما تطلبه الأسرة الآن التحقيق المهني في ملابسات وفاة ابنها، خصوصا أنه كان يتعرض لمصايقات عنصرية من مديره في العمل، فالشاب لم يكن يواجه أي مشكلة في حياته و كان يحب الحياة وقد عمل كل شيئ ليحقق أحلامه، قبل أن يختفي في واقعة لا زالت تثير  الأسئلة : فهل انتحر أسامة أم قتل لأسباب عنصرية؟


Create Account



Log In Your Account