نظريات التغيير بالصدمة  الدولة اليمنية "أنموذجاً
الإثنين 22 ديسمبر ,2025 الساعة: 05:44 مساءً

من إسقاط النظام الجمهوري والدولة وسُلطاتها،
إلى تفكيك الشرعية: ومؤسساتها 
وانتهاءً بشيطنة الأحزاب السياسية..
 كيف انهارت الدولة اليمنية على مراحل!؟

منذ اللحظة التي تحوّل فيها الهدف من إزاحة النظام الجمهوري والدولة والانقلاب عليها إلى إقالة رمز الدولة..
الشرعية، الرئيس عبدربه منصور هادي، دخلت الدولة اليمنية في مسار تفكيك متدرّج، طويل النفس، عميق الأثر، لا يقوم على الصدام المباشر الحرب التقليدية 
 فقط، بل  بـ سياسة نظريات التغيير بالصدمة وضرب الإدراك والوعي بتضليل خطير وذو نفس طويل "المكر الكُبار"
والوصول إلى الإغراق في الغيبوبة؛ غيبوبة شملت الفاعلين السياسيين، والمؤسسات، وحتى الوعي العام.
في حاضرنا اليوم 
لم يكن استهداف الرئيس الشرعي حدثًا معزولًا، بل شكّل نقطة كسر مركزية في بنية الدولة. فمن بعده، تفرّقت أيدي الشرعية في مجلسها الرئاسي، وغُيّب مجلس النواب، وعُطّلت السلطات الثلاث عمليًا، ثم جرى الحديث – تدريجيًا وبهدوء لافت – عن تجاوز المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، التي كانت تمثل الإطار السياسي والقانوني الأخير الجامع.

ترافق ذلك مع تفكيك الجغرافيا السياسية في الجنوب، والقضاء المنهجي على الجيش الوطني كمؤسسة جامعة، وصولًا إلى تفكيك التحالف الوطني لأحزاب الشرعية نفسه، ثم إنتاج مسمى جديد هو “التكتل الوطني”، الذي وُلد فاقدًا للروح السياسية، عاجزًا عن الفعل، وكأنه جاء ليُعلن نهاية ما تبقّى من العمل الحزبي المنظم تحت مظلة الشرعية.
كل ذلك جرى بتدرّج محسوب، وبنَفَس طويل، حتى بدا المشهد وكأن الجميع قد أُدخلوا في حالة سبات سياسي، بينما كانت الدولة تُفكّك قطعةً قطعة.

تعز: الاستثناء الذي أربك معادلة التفكك

وسط هذا الانهيار الشامل، برزت تعز بوصفها استثناءً سياسيًا واجتماعيًا لافتًا. فقد ظلت عصيّة على التفكك الكامل، تلملم أجزاءها، وتقاوم، وتفهم مبكرًا ما يُعرف بـ لعبة التغيير بالصدمة. صمدت تعز لا لأنها محصّنة من الألم، بل لأنها امتلكت – نسبيًا – وعيًا سياسيًا جمع بين الأحزاب، والسلطة المحلية، والجيش، والمجتمع.

منذ سقوط مؤسسات الدولة في صنعاء، حرصت الأحزاب السياسية في تعز – على نحو حصري تقريبًا – على تماسك داخلي تُرجم في لقاءات شهرية منتظمة، وتنسيق سياسي قائم على الإجماع، خاصة في القضايا الكبرى، وفي إصدار البيانات السياسية، وهو ما وفر حدًا أدنى من الاستقرار والأداء، رغم الحصار والحرب.
غير أن هذا التماسك لم يكن بمنأى عن الاستهداف.

من التفكيك السياسي إلى الإرهاب

مع شلل جسد التحالف الوطني، ثم التكتل الوطني، بدأ ما يمكن وصفه بـ انتقال عدوى التفكك إلى داخل أحزاب تعز نفسها. اضطربت الاجتماعات، وتراجع منطق الإجماع، وظهر الخلاف إلى العلن بعد مرحلة من التلاحم. ولم يعد ذلك خافيًا لا على المحللين السياسيين ولا على المواطن العادي.

وجاء التفجير الإرهابي الذي استهدف المكتب التنفيذي للتجمع اليمني للإصلاح ليشكّل لحظة كاشفة: لحظة فقدان الصبر السياسي، وانكشاف أن المخرج لم يعد سياسيًا خالصًا، وأن متوالية التفكيك قد انتقلت من الأدوات الناعمة إلى أداة الإرهاب المباشر.

إن ما حدث لا يمكن قراءته كحادثة أمنية معزولة، بل كمؤشر على مسار أخطر، يُرجّح استهداف بقية الأحزاب السياسية الموالية للشرعية، والمناهِضة للمشروع الحوثي، في ظل مشهد إقليمي ودولي مرتبك، وتحالفات تُدار أحيانًا بمنطق المصالح لا بمنطق بناء الدولة.

اللغز المكشوف: من يعلّق الجرس؟
اليوم، لم يعد اللغز خفيًا كما كان. فقد تكشّف المشروع الذي يعمل على تفكيك ما تبقّى من بنية الدولة الشرعية، بعد أن نفد صبره السياسي. والسؤال الجوهري لم يعد: ما الذي يحدث؟ بل: من يملك الجرأة على كسر هذا المسار؟ لإنقاذ مايمكن إنقاذه.
إن تعز، بتاريخها السياسي، وبتركيبتها الحزبية، وبالدور الذي قامت عليه الدولة اليمنية عند إعلان الوحدة عام 1990م، تملك – نظريًا وواقعيًا – فرصة أخيرة. فإذا استطاعت أحزابها الخروج من شتاتها، واستعادة وظيفتها القانونية والاعتبارية، كحامل سياسي جامع، فإنها لا تنقذ نفسها فحسب، بل قد تنقذ الدولة اليمنية ومؤسساتها، بل والجمهورية ذاتها.
فمن يعلق الجرس ..كرائد وقائد..


Create Account



Log In Your Account