الجمعة 24 أبريل ,2026 الساعة: 05:33 مساءً
من ملقا إلى تايوان… حيث تُختبر أعصاب العالم
تحدثنا في الحلقتين السابقتين عن تحوّل الماء من عنصر حياة إلى أداة صراع، وألمحنا إلى سقوط نظريات قديمة—كنظرية ماكندر—التي رأت أن من يسيطر على أوروبا يسيطر على العالم؛ غير أننا اليوم أمام واقع جديد يفرضه من يُحكم السيطرة على الممرات لا اليابسة.
حرب عالمية ثالثة مائية قطرةً قطرة… لا دفعةً واحدة
.قلنا إننا نعيش عودة حروب المضايق، وأن ملامح حرب عالمية ثالثة تتشكل في صورة صراعٍ مائيٍّ متدرّج، لا ينفجر دفعة واحدة، بل يُدار بالتقسيط، على إيقاع التوتر والاختناق البطيء.
.ولو نظرنا في دفتر العلاقات الدولية، لوجدنا أن الصين—في سلوكها السياسي—جمعت بين الشتاء والصيف في آنٍ واحد: برودة الحساب، وحرارة الطموح.
.واليوم ندخل أخطر حلقات السلسلة؛ حيث لا تُقاس القوة بمساحة الأرض… بل بعنق الزجاجة.
.وفي هذا السياق، تبدو المفارقة لافتة؛ إذ اتجه العرب غربًا حيث كان الأولى أن يلتفتوا شرقًا، لا تقليدًا أعمى، بل اتعاظًا بتجربة مختلفة. فقد قدّمت الصين نموذجًا في الاقتصاد والسياسة يقوم على التدرج والحكمة :
.اقتصاديًا: بنت نفسها لتكون ثاني اقتصاد عالمي، وشيدت نهضتها على أرض صلبة، لا على رمال متحركة، رافعةً مبدأها الشهير: ليس مهمًا لون القط، بل المهم أنه يصطاد.
.سياسيًا: استطاعت أن تستعيد مقاطعات كانت تحت الاستعمار بعقلٍ بارد وحسابٍ دقيق، دون إطلاق رصاصة واحدة، في تواضع محسوب يشبه انحناءً للعاصفة حتى تمر.
.
وبين نموذجٍ يصعد عبر إدارة المصالح، وآخر يتعثر تحت وطأة الصراعات، تبرز المفارقة العربية بوصفها جزءًا من مشهد أوسع لسوء توظيف القوة وتبديد الفرص.
.أما العرب، ففي مشهدٍ مغاير، فلم يستطيعوا استرداد فلسطين، بل تفرقت بهم السبل حتى بدا وكأنهم يتكاثرون…وبالطريق ليتحولو جميعًا إلى فلسطينات جديدة، تتناسل فيها المآسي بدل أن تنحسر.
.أولًا: أهمية مضيق ملقا… خاصرة الصين الرخوة
فمن خلاله يمر ما يقارب 80% من وارداتها النفطية، ونحو ثلاثة أرباع تجارتها الخارجية، وعبور ربع تجارة العالم.
لذلك تنظر إليه الصين بوصفه حجر الأساس في معادلة الصراع القادم.
.ومن هنا وُلد مصطلح استراتيجي : “معضلة ملقا الرخو”؛ حيث يكمن القلق في احتمال إغلاقه أو التحكم به لحظة الصراع.
.وهو ما قد يعني شلّ اقتصادٍ بحجم الصين بضربة بحرية مركّزة، وتحويل أي انتصار للصين فيه إلى مكسبٍ ناقص ونجاح تلاحقه روائح الهزيمة والدمار.
.ولهذا لا تقبل الصين بانتصارات منقوصة، بل تسعى إلى تأمين شروط نصرٍ مستقر ومستدام.
.ثانيًا: الجغرافيا التي تُخنق بها الإمبراطوريات
.يمتد مضيق ملقا لنحو 800 كم، ويتراوح عرضه بين 50 و320 كم، ما يجعله شريانًا بالغ الحساسية، لا مجرد ممر طويل.
.كما تُشرف عليه ثلاث دول: إندونيسيا، ماليزيا، وسنغافورة، ضمن بيئة جيوسياسية معقدة. وهنا تتجلى المعضلة: فالمضيق خارج سيطرة الصين
.لذلك لم تلجأ الصين إلى المواجهة، بل إلى مناورة سياسية ذكية، تستخدم لعم “نعم” المواربة؛ و لا الناهية.
فلا قبولًا كاملاً ولا رفضًا قاطعًا، بل كسبًا للوقت وإعادة ترتيب الأوراق، وترفع راية دولةٍ نامية.
.ثالثًا: لماذا تتريث الصين؟
السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا لا تحسم الصين ملف تايوان رغم ما تملكه من قوة؟
فهي تمتلك 500 قنبلة نووية وثاني اقتصاد عالمي ؟
لفهم ذلك، نحتاج إلى قراءة هادئة للعقل الاستراتيجي الصيني وإلى كوماندوز من العصف الذهني وهو ما سنحاوله.
.المحاولة الاولى:
فالصين تراقب تجارب الآخرين بعين باردة؛ ترى كيف استُنزفت روسيا في أوكرانيا، وكيف تعثرت مسارات روسيا من دولة قطب الى قوى كبرى عادية حين انجرفت إلى حروب مفتوحة.
.كما تستحضر نماذج من العالم العربي والإسلامي، حيث تحول الطموح إلى دمار وإلى دوامات استنزاف طويلة بلا حسم.
.محاولة الفهم الثانية :
تدرك الصين جيدا أن اقتراب نهاية التفرد لاي امبراطورية لا يعني تلاشيها السريع؛
فالإمبراطوريات حين تقترب من الأفول تصبح أكثر شراسة، وتسعى إلى جرّ خصومها إلى ميادين الاستنزاف والموت.