خديعة التهدئة المؤقتة.. كيف يبتلع الجمود السياسي مستقبل اليمن؟
السبت 01 أُغسطس ,2026 الساعة: 03:04 مساءً

في اليمن، لم يعد الصراع يُقرأ بوصفه مواجهةً بين سلطة شرعية وجماعة متمردة فحسب، بل بوصفه عقدةً إقليمية تتقاطع فيها حسابات طهران مع الممرات البحرية وخطوط الطاقة والتجارة الدولية،  وهذه هي النقطة التي ينبغي أن تبدأ منها القراءة الجادة للاستراتيجية اليمنية الراهنة، فالمسألة لم تعد مجرد استعادة مدينة أو انتزاع ميناء أو استعادة نفوذ سياسي، بل أصبحت معركة على معنى الدولة ذاتها، وعلى من يملك حق تقرير السلم والحرب، وعلى ما إذا كان اليمن سيظل ساحة مفتوحة لقرار خارجي يُدار من خلف الستار أو سيستعيد شيئاً من سيادته الضائعة، ومن هنا تكتسب الإشارات الإيرانية الأخيرة، كما نقلتها رويترز، أهمية استثنائية؛ إذ لم تعد طهران مجرد داعم سياسي أو عسكري بعيد، بل طرفاً يطلب من الحوثيين الاستعداد لإغلاق باب المندب إذا تعرضت بنيتها التحتية للطاقة لهجوم أمريكي، هذه ليست تفصيلاً جانبياً، بل دليلٌ إضافي على أن قرار التصعيد، في لحظاته الحاسمة، لا يُصنع في صنعاء وحدها بل في طهران أيضاً.



هذه الحقيقة تغيّر زاوية النظر إلى استراتيجية استعادة الدولة، فحين ترفع القيادة اليمنية شعار استعادة المؤسسات وحصر السلاح ورفض تقاسم الدولة مع جماعة مسلحة، فهي لا تواجه تنظيماً محلياً مستقلاً القرار بالمعنى الكامل، بل تواجه ذراعاً تتحرك داخل منظومة أوسع من الردع الإيراني،  وهذا لا يعني انتفاء هامش الحركة لدى الحوثيين، لكنه يعني أن هذا الهامش يظل مشروطاً بالقرار أو الإذن أو التوقيت الذي تحدده طهران حين ترى أن الورقة البحرية صارت مفيدة في لحظة إقليمية حساسة، لذلك فإن تهديد باب المندب ينبغي أن يُقرأ بوصفه  جزءاً من هندسة ضغط إيرانية تستخدم اليمن كساحة امتداد في لحظة اشتباك أوسع مع الولايات المتحدة وخصومها في المنطقة.



ومن هنا أيضاً تنشأ أهمية الربط بين استعادة الدولة اليمنية وأمن البحر الأحمر،  فهذا الربط يمنح الحكومة اليمنية قوة تفسيرية وسياسية كبيرة، لأنه ينقل الملف من كونه خلافاً داخلياً قابلاً للتجميد، إلى كونه أزمة تؤثر في أمن الملاحة العالمية واستقرار سلاسل الإمداد وأسواق الطاقة، وقد ترجم تحالف دعم الشرعية هذا الإدراك عملياً حين نفذ عمليته الأخيرة في الحديدة، حيث أكد المتحدث باسمه اللواء تركي المالكي أن الضربات استهدفت أهدافاً عسكرية مشروعة مرتبطة بتهديد الملاحة، ونُفذت وفق مبدأ التناسب دون المساس بالموانئ المفتوحة أمام حركة السفن،  وفي الاتجاه ذاته، عبّر الأمين العام للأمم المتحدة عن قلقه من استئناف الهجمات على السفن التجارية، محذراً من أن استمرارها يقوّض آفاق السلام ويهدد بعواقب اقتصادية وإنسانية وبيئية تتجاوز حدود اليمن، وداعياً الحوثيين إلى الامتناع عنها تنفيذاً لقرار مجلس الأمن 2722،  غير أن هذا التحرك الدولي، على أهميته الرمزية، يظل قاصراً عن ترجمة القلق إلى ردع فعلي؛ فالبيانات وحدها لم توقف تصعيداً من قبل، ولن توقفه الآن. وهذا بالضبط ما يكشف حدود الرهان على "الحل الدولي": المجتمع الدولي يتحرك لتسوية تعالج جذر الأزمة، وهو ما يترك للدولة اليمنية وحلفائها الإقليميين عبء الحسم الفعلي.


وهنا تكمن نقطة التحول الحاسمة في هذه القراءة: فكلما طال أمد "إدارة" الأزمة بدل حسمها، كلما ترسّخ واقع الانقلاب وتحوّل إلى أمر واقع يصعب تفكيكه لاحقاً بأي ثمن سياسي، فالحوثي لا يفهم من التهدئة إلا فرصة لإعادة التسلح وتحسين موقعه التفاوضي، ولا يقرأ الحذر الدولي إلا ضعفاً يستدعي مزيداً من الجرأة، ومن هنا فإن الخيار العسكري الحاسم،  يبقى أقل كلفة على المدى الاستراتيجي من استمرار وضع لا سلم فيه ولا حرب، يستنزف الدولة اليمنية عاماً بعد عام بينما يراكم الحوثي، تحت مظلة الهدنة المستمرة، قدرات صاروخية وبحرية تُستخدم اليوم لابتزاز الملاحة الدولية وغداً لأي غرض آخر تحدده طهران، فالثمن الذي دفعه اليمنيون ويدفعونه تحت الانقلاب المستمر  من انهيار الخدمات إلى تجويع الملايين واستخدامهم دروعاً بشرية ووقوداً لحرب لا يختارونها  يفوق أي حساب لكلفة عملية حسم عسكري واضحة الهدف والغاية، مهما بدت في ظاهرها متسرعة أو غير محسوبة العواقب بالكامل؛ ذلك أن استمرار الانقلاب نفسه هو الخيار الأكثر كلفة وانعدام حساب على المدى الطويل.



وحين نقرأ السيناريوهات المحتملة، يتضح أن المشهد يحمل احتمالات متعددة، أقربها استمرار حالة الجمود المضطرب الذي وصفناه، حيث تتكرر التهديدات البحرية والردود المحدودة دون حسم حقيقي،  لكن هذا الجمود، إن ترك بلا كسر، يفتح الباب أمام سيناريو أشد تعقيداً، منها تحرك بعض الأطراف الإقليمية والدولية نحو ترتيبات أمنية بحرية تُبقي الحوثي خارج أي مساءلة سياسية، بذريعة حماية الملاحة الدولية فقط، وهو ما يجعل من إبقاء باب المندب ورقة موازية في مفاوضات لا علاقة لليمنيين بصياغتها احتمالاً وارداً بقوة،  وإذا تحقق هذا السيناريو، فسيعني عملياً تجميد قضية استعادة الدولة اليمنية إلى أجل غير مسمى مقابل تهدئة بحرية موقتة، وهو بالضبط ما يجب أن تحذر منه أي استراتيجية وطنية جادة، لأنه يمنح الحوثي مكسباً استراتيجياً بلا مقابل سياسي حقيقي، فالدولة التي يريدها اليمنيون ليست مجرد سلطة تنتصر عسكرياً على خصمها، بل مؤسسات تستعيد احتكار القرار، وتمنع عودة أي جماعة مسلحة خارج القانون. 


الخلاصة أن ما يجري اليوم ليس مجرد فصل جديد من التوتر في البحر الأحمر، بل فصلٌ يكشف بوضوح أن الحوثيين ليسوا وحدهم من يلوّح بالمضيق، بل هم ضمن منظومة أوسع تعيد إيران عبرها توزيع أوراقها حين تشتد الضغوط عليها، وهذا يجعل استعادة الدولة اليمنية، عبر الحسم لا عبر إدارة الأزمة، ضرورة لا ترفاً ولا مغامرة، فكل يوم يُمنح فيه الانقلاب فرصة إضافية للبقاء هو يوم يُضاف إلى فاتورة طويلة يدفعها الشعب اليمني وحده،  والدولة التي تتردد اليوم خشية أثمان الحسم، ستجد نفسها غداً أمام أثمان أفدح لاستمرار الانتظار،  فإما أن تُدار هذه اللحظة بإرادة سياسية تحسم الملف عسكرياً وتفرض شروط الدولة لا شروط الميليشيا، أو يتحول التردد نفسه إلى الخطر الأكبر الذي يبتلع ما تبقى من فرصة اليمن في استعادة كيانه.


Create Account



Log In Your Account