تعز.. من مدينة التضحيات إلى مدينة الاستحقاق
السبت 08 أُغسطس ,2026 الساعة: 04:16 مساءً

تعود تعز اليوم إلى واجهة النقاش، لكنها تعود وهي محافظة ممزقة بين ثلاث سلطات، ومحاصرة داخل جغرافيا كان يفترض أن تكون مصدر قوتها. فالمدينة ومركزها الإداري تحت سلطة الحكومة المعترف بها دوليًا، والحوبان ومنطقتها الصناعية ومطارها تحت سيطرة جماعة الحوثي، بينما يقع ساحلها وميناء المخا تحت سلطة عسكرية وسياسية منفصلة عن قرار المدينة. وهكذا تبدو تعز، في اللحظة التي يُراد لها أن تؤدي دورًا وطنيًا وإقليميًا جديدًا، فاقدة لوحدة الأرض والقرار والاقتصاد.

هذه هي المفارقة التي ينبغي أن يبدأ منها الحديث عن تعز اليوم. فالمحافظة التي يجري تقديمها بوصفها العمق البري للساحل الغربي، ورأس الحربة المحتملة في حماية باب المندب، لا تزال عاجزة عن الوصول الطبيعي إلى ساحلها، ومحرومة من مطارها ومنطقتها الصناعية، ومحكومة بتعدد القيادات والولاءات ومراكز النفوذ. لذلك لا يكفي أن تمنحها الجغرافيا أهمية استراتيجية، ما دامت السياسة والحرب قد نزعتا منها القدرة على استثمار هذه الأهمية.

ولم تصل تعز إلى هذا الوضع لأنها كانت مدينة هامشية، بل لأنها ظلت في قلب التحولات الوطنية. فمنها ارتفعت الصرخة الأولى لثورة الحادي عشر من فبراير، ثم تحولت إلى خط دفاع رئيسي عما تبقى من الجمهورية في مواجهة المشروع الإمامي. وخلال أكثر من عشر سنوات من الحصار، دفعت أثمانًا إنسانية واقتصادية وسياسية باهظة، وعانى أبناؤها المرض وصعوبة التنقل وانهيار الخدمات وتراجع الاقتصاد. ورغم الإهمال الرسمي، بقيت حاضرة برجالها ووعيها وتضحياتها، تتحمل كلفة الدفاع عن الجمهورية أكثر مما جنت من ثمارها.

غير أن المدينة التي دفعت هذا الثمن الكبير عوقبت لاحقًا بالتقسيم والإهمال. فقد تحولت من محافظة ذات امتداد جغرافي واقتصادي متصل إلى مساحة موزعة بين سلطات متنافسة، لكل واحدة منها قرارها العسكري وشبكة مصالحها وحساباتها السياسية. وهكذا لم يكن الحصار وحده ما أنهك تعز، بل أيضًا تفكيك وحدتها ومنعها من تحويل صمودها وتضحياتها إلى سلطة فاعلة ومؤسسات مستقرة واقتصاد قادر على التعافي.

لقد كانت تعز قبل الحرب وحدة جغرافية واقتصادية متكاملة: مدينة وسوقًا ومنطقة صناعية ومطارًا ومنفذًا بحريًا. أما اليوم فقد تحولت إلى ثلاث جزر منفصلة؛ لكل واحدة منها سلطة وقرار وشبكة مصالح مختلفة. وبين المدينة والحوبان والمخا تقف خطوط التماس والطرق المغلقة ونقاط التفتيش وتعدد المرجعيات، بما جعل تعز محافظة موجودة على الخريطة، لكنها غائبة بوصفها وحدة سياسية واقتصادية فاعلة.

وليس امتداد تعز نحو الساحل تفصيلًا طارئًا، بل جزء من هويتها وتكوينها التاريخي. فمنذ زمن مدّت المدينة يدها إلى البحر، وقدميها نحو العالم، عبر رجالها وتجارتها وقهوتها وهجرات أبنائها. كانت مدينة داخلية بروح بحرية، وجبلية بأفق مفتوح، تصل بين المرتفعات والساحل، وبين الداخل اليمني وموانئ البحر الأحمر.

وفي هذه اللحظة، ومع اتساع الصراع في البحر الأحمر من معادلة يمنية إلى مواجهة إقليمية ودولية، وإعلان السعودية مشروع تحالف بحري دفاعي متعدد الجنسيات لحماية الملاحة وباب المندب، تعود الأنظار إلى تعز. غير أن عودتها إلى المشهد لا ينبغي أن تبدأ بالسؤال عما يمكن أن تقدمه للمعركة الجديدة، بل بالسؤال عما تحتاج إليه لكي تستعيد قدرتها على أداء أي دور.

فهل يمكن مطالبة تعز بحماية باب المندب، بينما لا تزال عاجزة عن استعادة مينائها ومطارها ومنطقتها الصناعية؟ وهل يمكن اعتبارها رأس حربة برية، بينما قرارها العسكري موزع، وأرضها مقسمة، وطرقها مغلقة، ومؤسساتها منهكة؟ وهل يُراد لها أن تدخل معركة إقليمية جديدة قبل أن تُحسم معركتها الداخلية من أجل الوحدة والتأهيل واستعادة الدولة؟

ليست المشكلة في أن تعز تفتقر إلى عناصر القوة؛ فهي جاهزة بالجيش وقوة المقاومة الشعبية في أي لحظة ، كما تمتلك الموقع والسكان والتاريخ والامتداد نحو البحر، كما تمتلك رصيدا وطنيا راكمته منذ دفاعها عن الجمهورية، مرورا بثورة فبراير، وصولا إلى مقاومتها المشروع الإمامي والحصار الممتد. المشكلة أن هذه القوة ظلت تُستهلك في التضحيات، من دون أن تتحول إلى مؤسسات موحدة، أو اقتصاد متصل، أو سلطة قادرة على إدارة المحافظة واستثمار موقعها.

من هنا يبدأ النقاش الحقيقي: المطلوب اليوم ليس استدعاء تعز إلى معركة جديدة، بل تأهيلها أولا لتستعيد وحدتها الداخلية والبحرية، وتؤدي دورها الوطني والاستراتيجي من موقع الشريك، لا من موقع الجبهة المستنزفة. ويبدأ ذلك من الحوبان، بوصفها المنفذ الشرقي للمدينة وموطن منطقتها الصناعية ومطارها، ومن إنهاء التهديدات والهجمات المستمرة، وفتح الطرق التي عطلت حياة السكان والاقتصاد طوال سنوات.

ومنحها  قيادة سياسية وعسكرية بمستوى المرحلة، تتجاوز الانقسامات الحزبية والمناطقية، وتوحد القرار الأمني والعسكري تحت مرجعية الدولة ، فلا يمكن لمحافظة موزعة بين سلطات وقيادات متعددة أن تتحول إلى قاعدة للاستقرار أو أن تؤدي دورًا فاعلًا في حماية باب المندب.

ويجب أن تشمل عملية التأهيل استعادة تعز لمنفذها البحري الطبيعي، وربط ميناء المخا بالمدينة والمنطقة الصناعية، وتشغيل المطار، وتأهيل الطرق التي تصلها بالساحل وعدن وبقية المحافظات. فالميناء والمطار والطرق ليست مجرد مرافق خدمية، بل أدوات لاستعادة وحدة تعز الاقتصادية وفتحها على الأسواق والاستثمار والعالم.

ولا يقل عن ذلك أهمية إعادة بناء الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها الصحة والمياه والكهرباء والتعليم والطرق، إلى جانب تفعيل القضاء والشرطة والإدارة المحلية، وتعزيز الرقابة على الموارد والإيرادات. كما ينبغي معالجة آثار الحرب، ورعاية أسر الضحايا والجرحى والنازحين، وإعادة دمج المقاتلين، وترميم الثقة بين مكونات المحافظة.

إن تأهيل تعز هو مشروع لاستعادتها بوصفها وحدة سياسية واقتصادية واجتماعية متكاملة: مدينة وحوبانا، مطارا ، ساحلا وميناء، مؤسسات وسكانا ، ومن دون ذلك، سيظل الحديث عنها بوصفها رأس حربة لحماية باب المندب تكليفا جديدا لمدينة لم تحصل بعد على حقوقها القديمة.

لقد قدمت تعز ما يكفي من التضحيات ، مازالت جاهزة ، وقد آن الأوان ألا تُستدعى فقط حين تكون هناك حاجة إلى القتال، ثم تُنسى حين يحين وقت البناء. فقبل أن تصبح رأس حربة لحماية باب المندب، يجب أن تستعيد رأسها وقرارها وأطرافها الموزعة بين سلطات الحرب ، فتعز ابنت الجمهورية الوفية ، ورأس حربتها التي ستسقط المشروع الامامي مع أبناء الجمهورية في كل مكان .


Create Account



Log In Your Account