ترتيب أولويات المعركة الوطنية
الجمعة 06 نوفمبر ,2026 الساعة: 01:00 صباحاً

تعز ضرورة عاجلة، وصنعاء هدف استراتيجي، واستعادة الدولة هي المعيار .
لن نبدأ بسؤال «أيهما أولاً: تعز أم صنعاء؟»؛ لأن هذا السؤال ينطلق من افتراض خاطئ، وكأننا أمام خيارين لا بد من اختيار أحدهما وتأجيل الآخر. بينما القضية الحقيقية هي كيف ننقذ تعز من الاستنزاف، ونحوّل صمودها إلى مكسب وطني، ونبني في الوقت نفسه شروط استعادة صنعاء والدولة.

مليشيات الحوثي الإرهابية لا تتعامل مع الجبهات باعتبارها ملفات منفصلة، بل تدير معركتها بوصفها صراعاً واحداً تتداخل فيه الجبهات والموارد والأهداف. فتعز وصنعاء ومأرب والساحل وحضرموت كلها حاضرة في حسابات المعركة. فلماذا نصرّ نحن على تقسيمها، ثم ننشغل بالمفاضلة بينها؟

تعز وصنعاء ليستا حالتين متشابهتين. فتعز تقاتل منذ سنوات تحت حصار لا يهدأ، وصمد أبناؤها أمام ضغوط عسكرية وإنسانية قاسية، ودفعوا أثماناً باهظة من أرواحهم ومعيشتهم واستقرارهم. يعيش الناس في تعز تحت حصار خانق تفرضه مليشيات الحوثي الإرهابية منذ سنوات، ورغم ذلك لم تكتفِ بالحصار. فالقصف لا يزال يطال الأحياء السكنية، وقرى الريف لا تنام على وقع القذائف، والقنص شبه يومي، ويستهدف حتى النساء والأطفال وهم يملأون الماء. لكن الصمود، مهما بلغت قوته، لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لترك المدينة تواجه مصيرها وحدها. فالخطر الأبرز عليها اليوم هو التآكل التدريجي لقدرتها على الصمود تحت وطأة الحصار والقتال والانقسامات الداخلية. وما تحتاجه بصورة عاجلة هو قرار وطني يكسر الحصار، ويؤمّن طرق الإمداد، ويخفف الضغط عن محاورها.

أما صنعاء، فقد سقطت عسكرياً منذ سنوات، لكن السيطرة عليها لم تعنِ إخضاع مجتمعها بالكامل أو إنهاء تطلعه إلى التغيير. يعيش كثير من سكانها تحت سلطة تفرض نفسها بالقوة، وسط سخط متراكم لدى قطاعات من المجتمع. غير أن الاحتقان الشعبي وحده لا يكفي لإحداث تحول سياسي ما لم يترافق مع تصدع في بنية السلطة الحاكمة، أو صراع داخل قيادتها، أو تراجع قدرتها على تمويل أجهزتها وإدارة مناطق سيطرتها. وهذا احتمال ينبغي الاستعداد له، لا التعويل عليه بوصفه أمراً حتمياً.

من هنا، يجب الفصل بين ثلاثة أسئلة: أين الخطر العسكري والإنساني الأكثر إلحاحاً؟ الجواب هو تعز، بفعل الحصار والاستنزاف المستمر. وأين يمكن أن يحدث تحول سياسي مفاجئ؟ الجواب هو صنعاء، باعتبارها مركز السلطة. وأيهما سيُحسم أولاً؟ لا نملك معطيات كافية للجزم، ومن يدّعي معرفة ذلك بدقة يخلط بين التوقع والحقيقة.

لكن الأهم أن تعز ليست بديلاً عن صنعاء، وصنعاء ليست مبرراً لترك تعز تُستنزف. فاستمرار الحصار أو انهيار تعز لن يقرّب استعادة صنعاء، بل سيمنح مليشيات الحوثي الإرهابية مكسباً استراتيجياً ينعكس على ميزان المعركة الوطنية بأكمله. وتعز ليست قضية محلية تخص أبناءها وحدهم، بل جزء أصيل من معركة استعادة الدولة. ومن حق أبنائها، بعد كل هذه التضحيات، ألا يُطلب منهم الصمود إلى ما لا نهاية، بينما تظل واجبات القيادة والإسناد الوطني مؤجلة.

كما أن إسناد تعز لا يتحقق بتحريك جبهتي الجوف ومأرب وحدهما. فالمعركة الوطنية تحتاج إلى تنسيق الجهود وتوزيع الضغط على مليشيات الحوثي الإرهابية عبر مختلف الجبهات، بما يشمل المنطقة العسكرية الخامسة، ومحاور صعدة، وجبهة كرش في لحج، وجبهة البيضاء من اتجاهي يافع وشبوة، إلى جانب الجوف ومأرب. فتكامل الجبهات يمنح المعركة عمقاً أوسع، ويحد من قدرة المليشيات على تركيز قواتها في اتجاه واحد.

ولا يعني ذلك تحريك جميع الجبهات بالوتيرة نفسها أو فتح معارك بلا حساب، بل إدارة الجهود وفق الأولويات والقدرات والنتائج المرجوة. المطلوب توحيد الرؤية والقرار، وتنسيق الإمكانات، وربط التحركات الميدانية بهدف وطني واضح، لا فتح جبهات لمجرد فتحها.

وبناءً على ذلك، فإن الأولوية العاجلة هي إنقاذ تعز وفك الحصار عنها، وتأمين طرق الإمداد وحماية السكان ومنع اختلال ميزان القوة. وبالتوازي، يجب الحفاظ على تماسك الجبهات الأخرى ومنع تشتت القرار، حتى لا تتحول أي جبهة مهملة إلى ثغرة يستغلها الطرف الآخر. أما صنعاء، فيجب أن تظل حاضرة في صلب الاستراتيجية الوطنية من خلال الاستعداد السياسي والعسكري ومتابعة التحولات، وبناء مسار قادر على استثمار أي فرصة حين تتشكل، دون تعليق الخطة الوطنية على احتمال انهيار داخلي.

وهذا الترتيب ليس عقيدة جامدة؛ فإذا حدث تصدع مفاجئ في بنية سلطة مليشيات الحوثي الإرهابية في صنعاء، وجب التعامل مع التحول وفق مقتضياته. وإذا انفرج الحصار عن تعز وتأمنت طرق إمدادها، انتقلت أولوية إنقاذها إلى مرحلة جديدة. فالأولويات تتغير بتغير الوقائع، لكن الهدف الوطني لا يتغير.

لقد دفع اليمنيون أثماناً باهظة بسبب الانقلاب وتشتت القرار وتعدد الحسابات. ولا يجوز أن تبقى تضحيات أبناء تعز ومأرب والجوف والساحل وسائر الجبهات مكاسب متفرقة، بل يجب أن تلتقي في مشروع وطني واحد يعيد بناء مؤسسات الدولة ويستعيد قرارها وسيادتها.

المعركة الوطنية ليست مفاضلة بين المدن، بل مسؤولية قيادة تعرف كيف تحمي الجبهات، وتوحّد القرار، وتحول التضحيات إلى مكاسب. تعز ضرورة عاجلة، وصنعاء هدف استراتيجي، واستعادة الدولة هي المعيار الذي ينبغي أن تُقاس به كل الأولويات والقرارات.

المعركة لا تحتاج إلى المفاضلة بين تعز وصنعاء بقدر ما تحتاج إلى قيادة وطنية توحّد الجبهات، وترتب الأولويات وفق الخطر والقدرة والهدف، وتجعل استعادة الدولة معيار كل قرار.


Create Account



Log In Your Account