وأظل أزحف في الصراع
الجمعة 25 سبتمبر ,2026 الساعة: 05:28 مساءً

نحن في حالة دفاع عن وجودنا الخاص والعام، الكل يدافع عن الكل، وإذ نضحي لا نطلب، بالطبع، مقابلاً من أحد. الفداء قدر العظماء المختارين.
كان في وسعك إيثار السلامة، كان في مقدورك الهرب بعيدًا والبحث عن دروب أكثر أمانًا ودعة، كان بإمكانك التملص والتنصل والقول: هذا جدار ليس لي. أنتم لا تستحقون التضحية. لكنك لم تفعل، ولم تكن لتفعل.

هذا أنت، الإنسان الحر الكريم والفارس النبيل، لم يكن وقوفك في المواجهة إلا حكمك الخاص، اختيارك الحر، قرارك الذاتي المحض، موقفك الرافض، إرادتك أنت. جرحك، قضيتك، وطنك، وجودك، مصيرك، كرامتك، حاضرك ومستقبلك.

هي تضحية مستحقة، ولعذاباتك ومعاناتك المعنى الكبير الذي ينسيك التعب والوجع، ويسليك ويعزيك عن كل الآلام، ويشدك على امتداد الدرب.
يقرر الفادون، في اللحظة الفارقة، تحمل العبء وحدهم. يؤثرون دفع أكبر الأثمان دون منّ ولا شعور بالندم أو الخسارة، لأنهم الكبار المنذورون لعظائم الأمور والمجسدون للعظمة الحقة.

يدهمنا أسى ثقيل، تنتابنا مشاعر مقبضة مختلطة، يداخلنا غالبًا يأس ذابح، ويتملكنا الإحساس بالوهن والتعب والإحباط، ويحاصرنا الشعور بالفقدان واللاجدوى، تتكاثر الأعباء، تستنزفنا الضروريات، ندخل في حالات من الارتباك والتكسر والتخبط، لكنا نعاود الزحف، تنهانا أرواحنا عن التوقف، نخجل من الجبن والضعف والاستسلام.

الشاعر بلند الحيدري يلتقط لحظات الارتباك والانتباهة تلك في هذا النص الملهم، حيث ينبعث لحظة التكسر صوت داخلنا موبخًا: يا للجبان:
وأظل في الصراع
يهوي شراع
ويموت في جنبي ذراع
وأكاد أوميء بالوداع
يا للجبان.. يا للجبان
وخجلت من ضعفي المهان

نختبر جميعًا مثل هذه الحالات كل يوم وكل ساعة ولحظة، فنلوم ونعتب ونحتد ونصرخ ونتهم وندين، وقد نجحف ونجور، وتغيم الرؤية وتلتبس الصورة ويختلط التصور، ويبدو كل شيء باعثًا على الإحباط والقنوط، ولكن سرعان ما تنقشع العتمة، ويتبدد الحزن، ونعاود اليقظة والتعافي والتماسك، ننفلت من قبضة اليأس، ننفلت من أسر اللحظة الكابية، ونواصل الانطلاق.


Create Account



Log In Your Account