دخول الطيران المسيّر ضمن قدرات القوات المسلحة اليمنية.. متى بدأ وكيف تطور ولماذا تأخر الكشف عنه؟
الأحد 27 سبتمبر ,2026 الساعة: 12:50 صباحاً


بدأت القوات المسلحة اليمنية بناء قدراتها في مجال الطيران المسيّر بصورة تدريجية منذ عام 2020، قبل الإعلان عنها رسميا في 2023، في مسار فرضته طبيعة الحرب وتوسع استخدام مليشيا الحوثي المصنفة جماعة إرهابية للطائرات غير المأهولة في الهجمات والاستطلاع.

وبحسب تقرير نشرته منصة «ديفانس لاين»، بدأت قيادة القوات المسلحة، التي اتخذت من مأرب مركزا رئيسيا لإدارة العمليات العسكرية منذ 2015، العمل على تطوير قدرات جوية غير مأهولة وتدريب كوادر هندسية وتشغيلية منذ عام 2020.

وتشير مصادر عسكرية تحدثت للمنصة، وطلبت عدم الكشف عن هويتها، إلى أن العمل بدأ بتشكيل سرايا ووحدات مركزية متخصصة، قبل أن تتطور لاحقا إلى تشكيلات أكبر، وصلت حاليا إلى أربعة ألوية تضم عددا من الرفوف والأسراب.

وجاء إدخال هذه القدرات في ظل اعتماد متزايد على الطائرات المسيّرة في العمليات العسكرية، خصوصا مع الهجمات التي شنتها مليشيا الحوثي على مأرب خلال عامي 2020 و2021، وهي الفترة التي شهدت واحدة من أعنف مراحل القتال حول المحافظة.

ووفقا للتحليل، ساهم إدخال الطيران المسيّر إلى جانب القوات البرية في توفير قدرات للاستطلاع والمراقبة وتحديد الأهداف، ثم تطور الاستخدام لاحقا ليشمل الطائرات الهجومية والانقضاضية.

لماذا تأخر الإعلان عن الطيران المسيّر؟

لم يكشف الجيش عن هذه القدرات فور بدء تشغيلها، إذ ظل استخدامها محاطا بقيود إعلامية وعسكرية خلال السنوات الأولى.

وتربط «ديفانس لاين» هذا التأخر بجملة من العوامل، بينها ظروف الحرب والقيود المرتبطة بالقرارات الدولية، إضافة إلى حساسية الحصول على تقنيات عسكرية ومكونات للطائرات المسيّرة وتدريب الكوادر اللازمة لتشغيلها.

ونقلت المنصة عن مصادر عسكرية أن بعض هذه القيود خفت خلال الفترة الأخيرة، ما أتاح للقيادة العسكرية تسريع برامج التدريب والتوريد والتطوير.

كما تشير المصادر إلى حصول قيادة الجيش على تسهيلات من قيادة التحالف الداعم للحكومة اليمنية بقيادة السعودية، ومنح تدريبية خارج اليمن، إلى جانب تسهيلات لتوريد بعض القطع وإبرام عقود شراء مع شركات خارجية.

وبحسب المصادر، جرى أيضا الاعتماد على مكونات متاحة تجاريا في الأسواق العالمية، بما في ذلك معدات ذات استخدام مزدوج، فيما استفادت القوات من بعض المكونات التي ضبطتها السلطات اليمنية ضمن شحنات كانت متجهة إلى مليشيا الحوثي.

وتكشف هذه المعطيات أن تأخر الإعلان لم يكن بالضرورة مرتبطا بغياب القدرة، وإنما ارتبط أيضا بالحفاظ على سرية الوحدات ووسائلها خلال مرحلة التأسيس والتطوير، إلى جانب القيود المفروضة على التسليح والتدريب خلال سنوات الحرب.

الإعلان الأول في 2023

ظهر الطيران المسيّر التابع للقوات المسلحة للمرة الأولى بصورة علنية مطلع عام 2023، بعد نحو عامين من بدء إدخال هذه القدرات إلى الخدمة، وفقا لـ«ديفانس لاين».

وفي يناير من العام نفسه، أظهرت صور خلال جولة تفقدية لرئيس هيئة الأركان العامة، الفريق الركن صغير بن عزيز، عددا من الطائرات المسيّرة التكتيكية في مأرب، بينها نماذج للاستطلاع وأخرى هجومية، متعددة المراوح وذات قدرة على الإقلاع والهبوط العمودي.

كما ظهرت طائرات رباعية المراوح «كوادكوبتر»، وطائرات انقضاضية من نوع FPV، بأحجام ومديات مختلفة.

وكان ذلك أول مؤشر علني على أن القوات المسلحة لم تعد تكتفي بوسائل الاستطلاع التقليدية، وأنها بدأت بناء وحدات متخصصة بالطائرات غير المأهولة.

من وحدات صغيرة إلى ألوية

شهد سبتمبر 2023 خطوة أكثر وضوحا عندما استعرض الجيش وحدات الطيران المسيّر خلال عرض عسكري في مأرب بمناسبة أعياد الثورة اليمنية.

وأظهرت الاستعراضات طائرات متعددة المراوح، وأخرى ذات إقلاع وهبوط عمودي VTOL، إضافة إلى طائرات استطلاعية وهجومية وانقضاضية مختلفة الأحجام والمديات.

ووفقا للتحليل، ظهر خلال العرض طراز استطلاعي هجين قصير المدى، رجحت «ديفانس لاين» أنه من نوع CP25 VTOL الصيني، وهو طراز تجاري مخصص للاستطلاع والمراقبة ورسم الخرائط، مع قدرات على التحليق لفترات طويلة نسبيا.

وفي مراحل لاحقة، ظهرت نماذج أكبر خلال عمليات التفتيش والعروض العسكرية في مأرب والجوف، بما في ذلك طائرات متعددة المراوح مخصصة للاستطلاع والهجوم.

كما وثقت صور من المنطقة العسكرية السادسة في الجوف خلال يوليو 2024 استخدام طائرات مسيّرة متعددة المراوح، رجحت المنصة أنها من فئة DJI Matrice 350 RTK المتاحة تجاريا.

التطور إلى الاستخدام الهجومي

لم يتوقف التطور عند بناء قدرات الرصد والاستطلاع، إذ بدأت القوات المسلحة في إظهار طائرات هجومية وانقضاضية.

وفي عروض عسكرية خلال 2025، ظهرت طائرات متعددة المراوح تحمل ذخائر، بينها نماذج مزودة بقنبلة واحدة وأخرى بأكثر من قنبلة، بينما رجحت «ديفانس لاين» أن بعض الذخائر المستخدمة عبارة عن قذائف هاون جرى تكييفها للاستخدام من الطائرات المسيّرة.

كما ظهرت طائرات FPV الانقضاضية، وهي فئة تستخدم على نطاق واسع في الحروب الحديثة لتنفيذ هجمات دقيقة على أهداف قريبة.

ومع ذلك، ظلت القوات المسلحة متحفظة في نشر تفاصيل عمليات هذه الوحدات، قبل أن تبدأ في يوليو 2026 رفع القيود الإعلامية المفروضة على نشر مشاهد استخدام الطائرات المسيّرة في العمليات.

نقلة إلى المدى الأبعد

شهد عام 2026، بحسب التحليل، نقلة أخرى تمثلت في الكشف عن طرازات ذات قدرات ومديات أكبر، حملت أسماء «عيبان» و«نقم»، نسبة إلى الجبلين المطلين على العاصمة صنعاء.

وتقول «ديفانس لاين» إن الفحص البصري للطائرات التي ظهرت في مشاهد لاحقة يشير إلى تشابهها مع طائرات من فئة SKYWASP، التي تطورها شركة سعودية، لكنها تؤكد أن تحديد الطراز بصورة نهائية يظل في إطار الترجيح الفني.

وتكتسب هذه المرحلة أهمية مختلفة عن الطائرات التكتيكية قصيرة المدى، لأن الطائرات بعيدة المدى توسع نطاق استخدام الطيران المسيّر من دعم الوحدات على خطوط التماس إلى تنفيذ مهام في عمق المناطق الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي.

وفي سبتمبر 2026، تزامن ذلك مع تداول مشاهد لطائرات مسيّرة في أجواء صنعاء، قالت مليشيا الحوثي إنها تعرضت لما وصفته بـ«محاولات إجرامية»، متوعدة بالرد.

ولم تكشف القوات المسلحة بصورة تفصيلية عن هوية الطائرات أو طبيعة المهمة، لكن التطور جاء بعد أشهر من بدء نشر مشاهد عمليات الطيران المسيّر التابعة لها.

مكونات محلية وإمدادات خارجية

لا يبدو أن بناء هذه القدرات اعتمد على مصدر واحد للمعدات.

وتشير «ديفانس لاين» إلى أن القوات المسلحة استفادت من مشتريات من السوق التجارية العالمية، ومن عقود وتسهيلات لتوريد مكونات عسكرية، إضافة إلى التدريب الخارجي.

كما تحدث ضابط في هندسة الطيران بوزارة الدفاع للمنصة عن الاستفادة من مكونات طائرات مسيّرة جرى ضبطها ضمن شحنات كانت متجهة إلى مليشيا الحوثي، وإعادة استخدام بعض القطع في عمليات التطوير والتركيب.

وتقول المنصة إن شحنات سابقة ضبطتها السلطات اليمنية تضمنت محركات وقطع إلكترونية ومكونات مرتبطة بالطائرات المسيّرة، بينها مكونات لطائرات قالت إن تصميمها يتشابه مع طائرات إيرانية تستخدمها مليشيا الحوثي.

لكن التشابه بين النماذج أو استخدام مكونات متقاربة لا يثبت وحده مصدر كل طائرة ظهرت لدى القوات المسلحة، ولذلك تبقى بعض هذه المعلومات في نطاق الترجيح الفني.

لماذا كان بناء هذه القدرة مهما؟

بدأت مليشيا الحوثي استخدام الطائرات المسيّرة بصورة أوسع منذ سنوات الحرب، وطورت نماذج للاستطلاع والهجوم، مستفيدة، وفقا لتقارير دولية وتحليلات عسكرية، من الدعم والخبرات والمكونات الإيرانية.

في المقابل، احتاجت القوات المسلحة اليمنية إلى سنوات لبناء قدرة مماثلة بسبب ظروف الحرب والقيود على التسليح والتدريب، إضافة إلى الحاجة إلى إنشاء وحدات متخصصة وتوفير الكوادر الفنية وقطع الغيار ومنظومات التحكم والتشغيل.

ولهذا جاء تطور الطيران المسيّر الحكومي على مراحل: تأسيس وتدريب منذ 2020، تشغيل فعلي خلال معارك مأرب، إعلان رسمي عن القدرة في 2023، توسيع الوحدات وإظهار نماذج مختلفة خلال 2023 و2024، إدخال قدرات هجومية بصورة أوضح في 2025، ثم الانتقال في 2026 إلى طائرات أبعد مدى ورفع القيود الإعلامية عن استخدامها.

وبحسب مصدرين عسكريين نقلت عنهما «ديفانس لاين»، تمتلك القوات المسلحة حاليا قدرات مسيّرة بمدايات تقول المصادر إنها تغطي مناطق سيطرة مليشيا الحوثي، بما فيها صنعاء وصعدة. ولا تتوفر، في المقابل، بيانات رسمية منشورة تحدد أعداد الطائرات، أنواعها بدقة، مخزون الذخائر أو معدلات الجاهزية التشغيلية.

ويشير هذا المسار إلى أن الطيران المسيّر انتقل داخل القوات المسلحة من مرحلة التجربة وبناء الوحدات إلى منظومة عسكرية يجري توسيعها وتطوير مداها ومهامها، في وقت أصبحت فيه الطائرات غير المأهولة أحد أهم مكونات الحرب الحديثة في اليمن.



Create Account



Log In Your Account