الجمعة 19 سبتمبر ,2025 الساعة: 07:47 مساءً
لماذا أدب الثورة؟
- يتميز أدب الثورات - سيما القصائد المغناة - الأغاني الوطنية والنشيد الثوري والهزج والشيلات والزامل و..و.. الخ. يتميز بخصائص نفسية وجدانيه ؛ ذلك أن أدب الثورات متصل بقيمة فطرية هي حب الوطن.
فهذه القيمة تساعد بقوة على انسياب أدب الثورة الى الوجدان دون ممانعة، ومع تكرار وتنوع المفاهيم الأدبية المصحوبة بالإيقاعات الموسيقية المتنوعه. وحسب علم النفس الإجتماعي، يعمل اللاوعي على اختزال تلك المفاهيم التاريخية على هيئة رموز ثقافية، وبمجرد حصول إثارة شرطية أمام اللاوعي هنا تنطلق ردود أفعال لاواعيه؛ دفاعاً عن تلك الرموز الثقافية المترسخة في مسارب وجدان الفرد والمجتمع..!
وعليه ونظراً لقوة هذا التأثير، يؤكد علماء النفس الإجتماعي وعلماء الإجتماع على أهمية غرس وتكرار أدب الثورات، حتى يتحول جزءً من المسلمات الثقافية لدى الفرد والمجتمع.
أبرز عوامل الزخم الأدبي :
لا شك أن جيل الرّوّاد (أبطال منتصف الليل) الذين انطلقوا صوب صناعة الوعي الثوري منذ عام 1938م ؛ حيث تكللت جهودهم بفتح نافذة الضوءصبيحة ال26 من سبتمبر المجيد1962م، ذلكم الجيل كان قد أنضجته المحن طيلة 24 عاماً؛فقد وعى عمق متلازمة السلالية الكهنوتية - جهل، فقر، مرض ؛ ذلك الوعي انعكس تصويراً لعمق المتلازمة اللعين في أدب الثورة!!
سنكتفي هنا بالصورة التي التقطها خيال الشاعر د. عبد العزيز المقالح قائلاً :
(سنظل نحفر في الجدار..إمّا فتحنا ثغرة للنور أو متنا على وجه الجدار ).
تنويه:
أشرنا أعلاه الى عنوان هذه الحلقة ب ( ألحان ثائرة) ومع ذلك فإننا نستدرك ؛ معتذرين للقراء الأعزاء أن القصائد المغناة تحتاج إلى مجلد كبير؛ نظراً لعمق المعاني وكثافة العبارة وقوة الحركة الجمالية من خلال دقة التصوير الشعري، والدلالة والإشارة الخ، ولكننا حاولنا قدر الإمكان إثارة انتباه القراء لكي يعودوا الى تلك الألحان الثائرة ليتذوقوها بطريقتهم.!
ما يلفت النظر حقاً هو أن لغة جيل الرواد كادت تكون موحدة، لفظاً أو معنى.
وقد قمنا بتوزيع مضامين بعض أبيات من تلكم الألحان الثائرة في المحاور التالية:
المحور الاول:
الظلام وفتح نافذة الضوء :
أولاً : الفضول
1- كم شهيداً من ثرى قبر يطل ليرى ماقد سقى بالدم غرسه
الى قوله:
ويرى الهامات منا كيف تعلوا
في ضحى اليوم الذي أطلع شمسه
تصوير أدبي اكتنزت دلالته تاريخاً مظلماً، ثم رسم الشاعر صورة مستخدماً أرقى صور البلاغة - الاستعارة - إن طلوع الشمس صبيحة ال26 من سبتمبر كان بفضل تضحيات الشهداء.
2 - استعارة إطلالة الشهيد من قبره صورت حالة الشهيد في فرحة وسعادة غامرة حين شاهد هامات الشعب اليمني عالية بعد عقود من الكبت والقمع والإرهاب ترويضاً للنفوس وإخضاعها.
3 - الشاعر نفسه - رحمه الله- أشار الى أساليب الترويض التي مارستها السلالية في تساؤل ينطوي على الاستغراب : كيف خضع الشعب اليمني البطل وارتضى العيش في حنادس ظلام التخلف قائلاً :
يارحاب المجد ما ما روضنا
فيك أو مسكننا دون عناءِ؟
هاك منا قسماً يا أرضنا
خالداً في شدة أو في رخاءِ
لن يلاقي البغي إلا رفضنا
رفض جبار شريف الكبرياءِ
عجيب أمرك يارحاب المجد والشجاعه والإباء عبر آلاف القرون، ما الذي جعلك تخضعين؟
الحقيقة أن الشاعر الفضول رحمه الله - وفي حدود علمي قدم اعتذاراً غير مسبوق - إعتذار للشعب اليمني البطل، بأن ما حصل من الترويض والمسكنة كان(بغيًا) إجرامياً، مارسته عصابة السلالة الكهنوتيه!
إننا ولأول مرة نجد ثقافة متقدمة بلغت الذروة في النضج لدى شاعرنا حيث وصف طغيان الحكام المتسلطين بأنه بغي على الشعب!!
كيف لا والقرآن يقرر أن البغاة هم من يظلمون الناس بغير الحق.
غير أن الثقافة القرإنية كانت قد دفنت تحت ركام الموروث الذي مسخ المفاهيم!
4 - إن رجفنا الساح من غاراتنا
أو عكفنا في المحاريب سجودا
لن يغيب الفجر من آفاقنا
فيه لن نرجع لليل عبيداً.
التشيع بالوعي التاريخي لمرحلة ماقبل ال26 من سبتمبر، ظل هاجسا حاضراً في الأذهان بصورة مقرفة فها هي عدسة شاعرنا الفضول تلتقط تلك الصورة المزرية معلناً التحدي في آن.
إن الشعب اليمني وعى حقيقة الدين والتدين كما وعى آليات الحيلولة في وجه الظلم، فلا فرق بين عكوفنا في المساجد أو بخروج الى الساحات، فالنتيجة واحدة هي:
لن يغيب الفجر من آفاقنا.
هيهات هيهات أن يستقبلنا الليل البهيم - استعار مصطلح الليل دلالة على شدة التخلف والضياع الذي لحق بالشعب اليمني.
ثانيا: عثمان أبو ماهر :
حسب د. المقالح، فإن الشاعر عثمان ابو ماهر رحمه الله هو الشاعر الوحيد الذي جمع بين القلم والبندقية!
اقتطفنا ما يشير الى العلاقة بين انبلاج الفجر الحقيقي صبيحة ال26 من سبتمبر وبين الفجر المجازي للثورة والذي أقبل بعبقه العاطر كالزهر الذي تتفتح أكمامه عند الفجر فكلا الفجرين عابقين منعشين قائلا :
يانسيماً عابقاً كالزهَرِ
طيب الأنفاس عند السحر
ياجلال الحق صوت القدرِ
ياوثوب الشعب في سبتمبرِ
اسقني عدلاً وغذي عمري!!
العدل والضوء متلازمان كما أن الظلم والاستبداد والظلام متلازمان، كيف لا والقرآن يقرر قائلا:
( أو من كان ميتاً فاحييناه كمن مثله في الظلمات..) الخ.
محور الولاء للشعب :
الفضول رحمه الله:
1- الهتافات لمن بين الجموعِ؟
ولمن يقضتنا دون هجوعِ؟
ولمن وثبتنا دون رجوعِ؟
ولمن أضلعنا تحت الدروعِ؟
ولمن أكبادنا تحت الضلوعِ؟
إنها للشعب وحده.
تضحياتنا لإرساء المبادئ - تحصين الشعب من تغول الفردية، لإقامة العدل لحماية كرامة الأمة.
اهتفوا للشعب - ارساء للحرية، للمساواة، إقامة العد ل، دوران مع المبادئ، حماية الدستور.
فالشرائع السماوية والثورات الأرضية، وإن اختلفت منطلقاً تهماً، فالهدف هو حماية الحريات والمساواة وإقامة العدل.
2 - الثبات على المبادئ:
كم سلكنا ومشينا طرقاً تفنى بها روح الفناءِ؟؟!
ورفضنا وأبينا ركعة الهون وضعف الانحناءِ!؟
جل الشعراء تختلف أساليبهم في وصف طول الطريق، لكن الفضول رحمه الله جاء بجملة تكاد تكون خارج اللغة!!
الطرق التي مشيناها وسلكناها، الفناء - الموت يفنى فيها، كناية عن قوة الصبر والتفاني والتحمل لأنواع الأخطار، ومع ذلك، فلم تلن لنا قناة، فالرفض هو نحن ونحن الرفض الرافض لركعة هونٍ واحدة، مستحيل نضعف أو ننحني.
اننا تشربنا معاني الحرية ولهذا:
3 - نحن رفض رافضُ إن مسنا
ظلم ظلام بعيداً أو قريباً
رفضنا هذا ليس رفض الغوغاء ولا رفض المتبجحين بالرفض لأجل الرفض وانما،
نحن رفضٌ رافضٌ لكننا
نعشق الحق جليلاٌ ومهيبا.
وتاريخنا حافل بالرفض القائم على رؤية المبادئ الواضحة والتي سكبنا فيها سيول الدماء عن وعي وقصد.
اربعينياتنا فيها رفضنا
وضحى سبتمبر فيه رفضنا
ومدى السبعين يوماً قد رفضنا
وسنمضي رافضين كل من قد جاء
لكي يدجي ضحانا
ثم ماذا..؟
وسنمضي داحضين كل من قد شاء للناس الهوانا.
هذه تخلية، رائعة فهل من تحلية؟ نعم. مفاهيمنا هي اقتبا س من الذكر الحكيم:
(فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله) نعم..
وسنمضي فارضين صدقنا
حتى يُرى الحق مصاناً
رفضٌ للظلم، وفرضٌ للحق والصدق، داعمين للحق حتى ينصف الأكواخ من ظلم القلاع!!
نحن هنا أمام فلسفة سياسية يحملها أدب رفيع محترس بالمعاني الإنسانية السامية العادلة، فالشاعر يحب الحق والعدل الذي لا يصادر حقوق الملكية، وإنما يرسي دعائم الحق والعدل في رفع مستوى الأكواخ، وليس هدماً للقلاع، كما قال أحد الساخرين بالايدلوجيات الفجة - الكادح كدحوه والغني بطحوه.!!
ومرة أخرى يقرر شاعرنا هدفنا الثوري بوضوح قائلا:
4 - أرضنا نحن غسلنا وجهها
وكسونا أفقها صبحاً مبيناً
تصوير جديد للهدف الذي رسمه اليمنيون هو غسل وجه الأرض اليمنية وإزالة تلك الأوساخ والملوثات الحسية والمعنوية التي علقت وشوهت وجه اليمن وطال أمدها، ولشدة تراكم الأوساخ فقد تولد عنها ظلام حجب آفاق الخير والعدل والحرية!!
فاهتف معي أيها الشعب اليمني مستعيناً ببركات السماء مستمداً
الرشد حتى لا تنحرف خطاك
ياسماوات بلادي باركينا
وهبينا كل رشد ودعينا
نجعل الحق على الأرض مكينا
يجب علينا تمكين الحق فوق وطن الوحدة.
ها هنا نحن وقد وحّدنا
وطنٌ أصبح منّأ اثْمنا
كيف لا، وها هي تربة وطننا غدت طاهرة من أرجاس الظلم والطغيان، فهي صالحة لأداء الصلوات، وغدت أصقاعه معبدنا لم ولن نعبد فيها وثنا
وهيهات لوطننا أن يفكر (نخّاسوا الأرض)
قابضي المال المدنس.
إننا نبيع يمننا.
او يرى نخاسُ أرض أننا
نأخذ الدنيا ونُعطي اليمنا.
تلكم هي ومضات سريعة تمثّل نسبة1......% إزاء تراكم الدلالات الكثيفة في عشرات القصائد الوطنية المغناة.
نلتقي مع الحلقه 2 أدب التحدي.
.........
هامش:
سنفرد الحديث حول قصائد التحدي والإصرار في الحلقة الثانية.