في اليمن وحدها تنتج السلطة وتختفي الدولة
الإثنين 29 ديسمبر ,2025 الساعة: 11:09 صباحاً




الإهداء / إلى روح القائد الوطنيِّ الشهيد جار الله عمر، الأمين العام المساعد الأسبق للحزب الاشتراكي اليمني، السياسي والمناضل الاستثنائي الأول في سبيل فكرة الدولة الوطنية الديمقراطية، والذي اغتيل غدرًا صباح يوم 28 ديسمبر 2001م.إليه أُهدي هذا العمل المتواضع.

يبدو الصراع في اليمن وكأنه قدر تاريخي يجري على حساب التاريخ نفسه؛ صراع ليس على إدارة الدولة بل على جوهر وجودها من عدمه؛ لهذا تندلع مواجهات عسكرية بين الحين والآخر في صورة حروب أهلية أو انقلابات أو احترابات. يتحول معها السلام والتنمية دائمًا إلى حالة هشة وعابرة، بينما يظل العنف هو القاعدة اليمنية، والسلام هو الاستثناء.
هذا الاستمرار المعيق في وجه المستقبل الوطني يرجع إلى جذور بنيوية عميقة تتعلق بطبيعة"العقل السياسي التاريخي" المسيطر، في مظهره القبلي أو المذهبي أو الجهوي المناطقي. فهذا العقل السياسي التاريخي، وإن كان يشكل حالة ممانعة لفكرة التغيير الوطنيّة بناءً على وعي مقصود يهدف دائمًا إلى الحفاظ على ديمومة هيمنته السياسية في اليمن، إلا أن ثمة إشكالية أعمق وأخطر في جوهره: فنظامه المعرفي (= جهازه المفاهيمي) الذي يجعله دائمًا عاجزًا عن إنتاج دولة وطنية بالمفهوم السياسي الحديث القائم على المؤسسات والمواطنة المتساوية والقانون. يمكنه في أحسن الأحوال من إنتاج "سلطة" تُفهم في حساباته السياسية كمورد وملكية خاصة يجب الدفاع عنها أو الاستيلاء عليها بالقوة. إنه منطق "الغلبة العسكرية" وليس منطق "التوافق السياسي الوطني"، مما يجعل أي تسوية سياسية عبارة عن تسوية ترقيعية مؤقتة، وقابلة للانفجار العسكري بمجرد تغير موازين القوة وانتقال زناد هذه الأخيرة من يدٍ إلى أخرى.

بناءً على نتائج الحروب العسكرية المتكررة وتحليل مسار الصراع السياسي في اليمن منذ ثورتي سبتمبر وأكتوبر في ستينيات القرن الماضي، وحتى حرب الانقلاب على مشروع الثورة الثالثة في بداية الألفية الثانية، فإن تحقيق سلام مستدام لليمنيين في الوقت الحالي لن يتحقق بمجرد وقف إطلاق النار أو توزيع المناصب والمواقع القيادية بين النخب المتنازعة على كراسي السلطة. السلام الحقيقي يتطلب بناء دولة ديمقراطية تعددية اتحادية حقيقية، تؤمن بالانتخابات النزيهة والتداول السلمي للسلطة. هذه الدولة هي الضمانة الوحيدة لتحويل الصراع من مواجهة عسكرية على السلطة والثروة إلى تنافس وتدافع سياسي سلمي داخل أطر مؤسسية وطنية ناظمة. السؤال المطروح بناءً على ذلك والذي سوف يُثار هنا، يدور حول الحوامل الموضوعية للتسوية السياسية المؤهلة لإنتاج شروط هذه الدولة التي يتحول معها اليمن إلى وطن لليمنيين.

معضلة اليمنيين الكبرى اليوم هي أن "العقل السياسي التاريخي" الذي أصبح في كثيرٍ من الأوطان مجرد ذكرى في متاحف التاريخ السياسي، ما يزال هو المسيطر على مقاليد السلطة الفعلية والسلاح القابل للقتال والإقتتال في اليمن، ويُشكِّل في نفس الوقت "سلطة أمر واقع" ترفض أي تحول جوهري يهدد امتيازاتها ومكاسبها السياسية. وإذا كانت السيطرة تتم اليوم في الشمال والجنوب على حساب مصادرة العقل السياسي الحزبي، فمن الطبيعي أن تركز مشاريع التسويات السياسية على تقاسم السلطة السياسية بين النخب القائمة، دون تفكيك حقيقي لبنى السلطة التقليدية ودون بناء مؤسسات دولة سيادية. ما يعني في النتيجة النهائية أن التسويات السياسية المتكررة لن تحل جذر المشكلة اليمنية، بل تعمل على ترحيل صراعاتها السياسية والاجتماعية والثقافية إلى المستقبل القريب وليس البعيد. لهذا لا نستغرب أن يكون تاريخ الجمهورية في اليمن هو تاريخ حروب متوالية؛ أي أن اليمنيين شهدوا في كل عشر سنوات حربًا أو حربين.

الحديث عن السلام دون معالجة هذه الإشكالية الأساسية – أي الانتقال الفعلي من سلطة الغلبة والقوة ={ سلطة العقل السياسي التاريخي } إلى سلطة الدولة الوطنية والمؤسسات الديمقراطية – هو حديث عن هدنة مؤقتة وليس عن سلام دائم. الخروج من هذا المأزق يتطلب ضغطًا سياسيًا شعبيًا ودوليًا متواصلاً، لإجبار كل القوى السياسية والاجتماعية على الانخراط في عملية سياسية ثقافية شاملة في اليمن. عملية تبدأ بإعادة تعريف مفهوم السلطة السياسية ذاتها، ونزعها من الاحتكارات التقليدية المستمرة، ووضعها في خدمة مؤسسات دولة وطنية ديمقراطية اتحادية جامعة لكل اليمنيين. من هنا تأتي أهمية دور العقل السياسي الحزبي في خوض معركة الوطنية اليمنية.

صحيح أن الأحزاب السياسية اليمنية في هذا المنعطف أخفقت في مسألة الحفاظ على ثقة المواطنين بها، وهذا في حد ذاته يعني فشلًا للأحزاب السياسية في تمثيل العقل السياسي الحزبي وليس العكس. الأمر الذي يتطلب تغييرًا في قيادة الأحزاب، وتغييرًا في الشخصيات السياسية التي هرمت في مواقع القيادة الحزبية وأصبحت عاجزة تمامًا عن العطاء الوطني في مرحلة خطيرة تتطلب هذا العطاء من قبل الأحزاب، وليس الاستغناء عن الأحزاب السياسية بذاتها. هذا من جهة أولى. ومن جهة ثانية، فإن النظر في إيجابية القيمة التاريخية والقيم الثقافية والنظام المعرفي للعقل السياسي الحزبي مقارنةً بالعقل السياسي التاريخي، يقودنا بدون شك إلى النتيجة القائلة بأن العقل السياسي الحزبي كان وما زال هو القابل الموضوعي لفكرة السلام والتعايش، وهو الحاضن السياسي والثقافي وحتى الاجتماعي لفكرة الوحدة اليمنية ولمشروع الدولة الوطنية الديمقراطية الاتحادية، بناءً على المرجعيات المتفق عليها.

إذا كانت هناك أخطاء في معركة الوعي السياسي، فإن أخطرها على الإطلاق يكمن في وقوعنا في فخ الاعتقاد بأن ما وصلت إليه اليمن اليوم هو بسبب وجود الأحزاب السياسية أو حتى بسبب صراعاتها على السلطة، كما يروج البعض لهذا الخطاب. هذا خطأ كبير وتاريخي يراد لنا جميعًا الوقوع في فخه، حتى يتم تحنيط فكرة التغيير الوطني الديمقراطي القائم على الإرادة الشعبية في اليمن، وهي خدمة كبرى مقدمة مجانًا لسلطة العقل السياسي التاريخي. الحقيقة باختصار عكس ذلك تمامًا، فالعقل السياسي الحزبي صنع فرص التغيير في اليمن، والعقل السياسي التاريخي انقلب عليها.

إذا كان العقل السياسي الحزبي هو من فجَّر ثورتي سبتمبر وأكتوبر من أجل تحويل اليمن إلى دولة ووطن، فإن العقل السياسي التاريخي هو من انقلب على ثورة سبتمبر وعلى مشروع الحمدي، وحوّل أحداث يناير في الجنوب إلى صراع مناطقي، وانقلب في حرب صيف 94 على الوحدة اليمنية بعد أن تمكن العقل السياسي الحزبي من تحقيقها، وانقلب على مشروع الدولة الوطنية الديمقراطية الاتحادية بعد أن نجح العقل السياسي الحزبي في صياغة مشروعها السياسي في مؤتمر الحوار الوطني. وهو الآن يمثل سلطة الأمر الواقع، ويقف في وجه الحلول الوطنية الديمقراطية على المستوى الوطني.
بيت القصيد:واقعنا يحتاج إلى قراءة أعمق سياسياً وثقافياً واجتماعياً، وعلى هذا الأساس من المعرفة المعمقة في اعتقادي أن وعي الفرد والمجتمع بجذر المشكلة اليمنية، سوف يصنع الفارق ولو على المدى البعيد.


Create Account



Log In Your Account