السبت 16 مايو ,2026 الساعة: 02:50 مساءً
حوّلت جماعة الحوثي العطلة الصيفية إلى موسم حصادٍ بشري، تُفرغ فيه فصول الدراسة من معانيها لتتحول إلى ثكنات عسكرية طليتها شعارات دينية، وتُجرّ فيه أفواج النشء من ساحات الطفولة إلى مصانع الموت.
تمضي الجماعة قدماً في مشروعها الأكثر استراتيجية خطورة وهو الاستيلاء الكامل على عقول الأجيال الصاعدة عبر أداة المراكز الصيفية، لا يمكن فهم هذه المراكز بمعزل عن كونها المشروع المضاد للدولة، إنها ليست مجرد أنشطة لتعبئة طائفية، بل حجر الزاوية في بناء مجتمع حرب موازٍ، يضمن للجماعة، كأقلية أيديولوجية، بقاءً أبدياً من خلال إعادة هندسة التركيبة السكانية نفسها.
يُقال لنا إننا مشاريع شهادة، بهذه الكلمات التي تختصر المأساة، يروي الفتى (س، ج)، ذو السبعة عشر ربيعاً، رحلته من فصلٍ دراسي في مدينة إب كان يحلم فيها بمستقبل، إلى مركزٍ صيفيٍ حوّلته جماعة الحوثي إلى ورشة لتفكيك الروح وتركيب الموت، إنها ليست قصة استثنائية، بل نموذج لجريمة صامتة تُرتكب بحق جيل كامل، تُستلب فيها براءة الطفولة لتُستبدل بعقيدة القتل،إنه إكراهٌ إداري منظم تستخدمه الجماعة لإجبار الأسر على تسليم أبنائها.
يُكشف النقاب عن آلة التجنيد عبر شهادات من الداخل، مراكز مفتوحة تُليّن فيها عقول الأطفال بالشعارات والزوامل الحربية نهاراً، وأخرى مغلقة يُنقل إليها المراهقون لأسابيع بعيداً عن أعين ذويهم، هناك، في عزلةٍ تامة، يُستبدل القلم بالبندقية تحت غطاء أنشطة كشفية، يتدربون على السلاح، وتُحشى أدمغتهم بأدبيات الملازم، التي تقدس الموت، وتعيد إنتاج العالم من حولهم إلى ثنائية واحدة مؤمن ومنافق، حي يُباح دمه.
يعترف القيادي الحوثي محمد النعيمي بفخرٍ يقطر تهديداً أن الذين واجهوا الحروب هم خريجو هذه المراكز، إنه ليس سهواً، بل إعلانٌ رسمي عن وظيفة هذه المصانع، إنتاج وقودٍ بشري رخيص لا يسأل عن راتب ولا هدف، ليُلقى به في جبهات لا علاقة له بها غير خدمة المشروع السلالي الإيراني، هكذا تُقتل الطفولة مرتين، مرة بسرقة تعليمها وحاضرها، ومرة بجعل أجسادها الغضة دروعاً بشرية في حروب عبثية، إننا لا نواجه دورات صيفية، بل نواجه أكبر عملية تفخيخ لمستقبل أمة، تحت سمع وبصر عالم لم يستوعب بعد أن الأطفال الذين يُغسل دماغهم اليوم، هم القنابل الموقوتة التي ستهدد استقرار المنطقة والعالم غداً.
لم يعد الأمر اختيارياً ولامخفياً. الحقيقة كما يرصدها حقوقيون، ففي مناطق سيطرة مليشيات الحوثي، سقوط عشرات الآلاف في شباكٍ نُسجت خيوطها من حاجة الأسر وبطش التنظيم، تمارس الجماعة ضغطاً نفسياً واجتماعياً لا يُحتمل، فتحرم طفلاً من نتيجته، وتمنع آخر من التسجيل، وتغري أباً مفلساً بوجبة طعام، وفي هذه الأثناء، يُقتلع هؤلاء الأطفال من أحضان أسرهم ووطنهم وهويتهم، ليوضعوا في بيئة معزولة تُزرع فيهم بذور الكراهية ضد كل من يختلف معهم، بل ضد آبائهم أنفسهم إن رفضوا هذا الفكر المشوه.
ما يحدث داخل الجدران ليس تعليماً، بل هو ما يصفه أستاذ علم النفس الدكتور جمهور الحميدي ب إرهاب نفسي يؤدي إلى تجريف الهوية الوطنية والوعي، ويخلق اضطرابات في الشخصية وصدماتٍ نفسيةً طويلة الأمد، تُصادر أحلامهم، وتُشحن عقولهم الغضة بمفردات الموت والجنة، وتُربطهم عاطفياً برموز القتل تحت شعارات نصرة الأقصى التي تستغل قدسية القضية لتحويلهم إلى أدوات في صراع لا يفهمونه، إنهم يخرجون من هذه المعسكرات مشبعين بشعارات الموت، كما قال مسؤول تربوي، ألغاماً بشرية جاهزة للانفجار في وجه المجتمع.
هذه المصانع الأيديولوجية هي الضمانة الوحيدة لاستمرارية المخزون البشري للمليشيا، وباعتراف قادتهم، فإن خريجيها هم وقود الحروب الست الماضية وحرب التحالف، وهم أيضاً أدوات القمع الداخلي في المستقبل، إنها عملية خلق جيش عقائدي دائم لا يحتاج إلى عقود عمل أو رواتب، بل يتحرك بدافع التكليف الإلهي، والأخطر من ذلك، أن هذا المشروع يتجاوز حدود اليمن؛ فهو يصدر، كما حدث مع تنظيمات إرهابية أخرى، فكراً متطرفاً مفاده العداء للعالم وضرورة مواجهة الاستكبار، مما يجعله تهديداً مباشراً للأمن الإقليمي والدولي، كما سجلته تقارير الأمم المتحدة ووزارة الخارجية الأمريكية.
إن ما يحدث هو استثمار استراتيجي طويل الأمد في القنابل الزمنية، فحينما يتم إحلال مجتمعٍ مشبعٍ بثقافة الكراهية والموت محل مجتمعٍ مدني، يصبح أي حل سياسي مستقبلي رهينة لجيل كامل تم تفخيخ عقله ضد قيم السلام والتعددية، إن تجاهل هذه الجريمة الصامتة لا يعني سوى شيء واحد: السماح بتأسيس دويلة متطرفة على أنقاض الجمهورية اليمنية، لا جيشها يحمي حدودها، بل جيش من مشاريع الشهادة الموتى الذين يسيرون على الأرض، يهددون حاضر البلاد ويختطفون مستقبلها لعقود قادمة.