الإثنين 18 مايو ,2026 الساعة: 04:14 مساءً
سلطة الشرعية، بأحزابها ومكوناتها وقياداتها، انفصلت كلياً عن المجال الذي يمنح أي سلطة معناها الحقيقي. انفصلت عن المجال المحلي، الاجتماعي، الشعبي، ومجال العداء السياسي والأخلاقي للحوثية بوصفها مشروعاً عنصريا وإجرامياً للسحق والإخضاع.
صار التعاطي مع مسؤولياتها تجاه ما يحدث في الداخل يجري بخفة باردة، وبلا إحساس بالمسؤولية. ما يحدث في البلاد أصبح مجرد ملف جانبي يقع خارج اهتمام السلطة نفسها.
القضايا المحلية الكبرى، والبطولة الوطنية، ورمزية المقاومة، يحولها رموز السلطة إلى أعباء ومآسٍ أسرية. كل شيء يجري تفريغه من معناه العام ومن بعده المحلي والوطني.
تشعر بالخزي والحرج من وجود الشرعية ككيان يفترض أنه يمثلك.
قيادة السلطة الفارغة عاجزة كليا عن فهم المقاومة باعتبارها فعلاً اجتماعيا وشعبيا ووطنيا يتجاوز الفرد.
المسألة بالنسبة للناس لا تتعلق بمصير شخص واحد فقط، وإنما بثقتهم بفكرة المقاومة ذاتها.. بثقتهم أن هناك من ما يزال يرى الحوثية عدوا، وأن الكرامة العامة ما تزال تملك من يمثلها، وباعتبار المقاومة قيمة وطنية وأخلاقية وخياراً واقعياً يؤسس لمعنى اليمن نفسه.
تنظر رموز السلطة الشرعية إلى التوازنات السياسية والاجتماعية والقبلية بعقلية سماسرة مراكز الدراسات، وناشطي العلاقات العامة، وهواة السوشال ميديا والنسويات.
حساباتهم المرتبطة بالمنظمات الإنسانية الخارجية وسماسرة الصحافة والحركات النسوية، تضاهي وربما تتجاوز حساباتهم المتعلقة بالتوازنات الداخلية، وأشكال القوة المحلية، والعلاقات الاجتماعية والشعبية داخل البلد.
سلطة وأحزاب خالية من السياسة والمقاومة، وقبل ذلك خالية من الشهامة، ومن مروءة أبناء البلد. السلطة وقياداتها تحكمها عقلية نشاطوية مخصية من السياسة المحلية، ومن الفاعلية الاجتماعية، ومن مضامين الكرامة والروح، ومن مشاعر المقاومة واتجاهاتها.
صارت معيارية الأداء والإنجاز لديهم هي معيارية تشاتام هاوس!. وحتى هذه نظرياً وحسب. لا يوجد انجاز اصلاً، وفق أي معيارية.
السلطة الافغانية.. سلطة أشرف غني.
المشكلة أعمق من فساد عادي. المسألة تمس طبيعة التكوين النفسي والأخلاقي لقيادة السلطة وأحزابها.
هناك تحلل طويل أصاب معنى الرجولة والسياسة، ومعنى المروءة الاجتماعية، ومعنى القيادة المحلية.
كثير من الشخصيات التي خرجت يوماً من روح المقاومة وتحمل رمزية اجتماعية وشعبية، انتهت داخل هذه السلطة الفارغة إلى نسخ باهتة من نفسها..
شخصيات تخشى المجال الشعبي الحقيقي، وتنفر من العلاقات الثقيلة ذات الحضور المحلي، وتبحث عن الاعتراف في الخارج أكثر مما تبحث عن التأثير في الداخل.
يكفي ناشط علاقات عامة، أو صحفي يلمّح إلى قربه من دوائر غربية، حتى تتحول السلطة كلها إلى جمهور صغير يلهث خلفه.
في المقابل، يظل الزعيم الاجتماعي أو القائد المحلي أو الشخصية القبلية المؤثرة خارج الحسابات، لأن السلطة فقدت حساسيتها تجاه الداخل نفسه.
ومع صواريخ الحوثي التي تضرب عواصم الخليج منذ سنوات وبعدها الممرات البحرية، استمرت الشرعية في أداء دور الوشاية السياسية. كل حادثة تتحول إلى تصريح عن الخطر الحوتي على السعودية.
وحين يتطور خيالهم السياسي قليلاً، ينتقلون من الحديث عن تهديد الحوثي للسعودية إلى الحديث عن تهديده للملاحة الدولية، فيذهبون للوشاية به لدى الأمريكيين، لإقناعهم بأنه بات يشكل خطراً على الولايات المتحدة.
أمريكا لا تحتاج إلى هذه الوشاية البدائية والطفولية والبليدة. صواريخ الحوثي كانت أول من أمطر حاملاتها وبارجاتها في البحار منذ الحرب العالمية الثانية.
هل تحتاج واشنطن إلى وقائع أكبر من ذلك؟ وما حاجتها إلى هذا التحريش الصغير الصادر عن فراغ السلطة؟
والسعودية ايضا، ما حاجتها إلى تأكيداتكم اليومية بأن الحوتي يشكل خطرا عليها، وبأن لديه ترسانة صاروخية، وهي التي تعرضت منشآتها الحيوية لهجمات صاروخية مباشرة؟
لا تنتظر من سلطة فارغة تذكيرها بترسانة الحوثي.
أصوات الصواريخ التي استهدفت الرياض وأرامكو أعلى من صوت الوشاية والمخافسة الخطيرة.
الرياض وصلت إلى قناعة بأن الحل بالنسبة لها يمر عبر البحث عن تسوية من داخل المشكلة الحوثية ذاتها، فاتجهت إلى المسار السياسي، وفرضته على السلطة الفارغة، واستبعدت خيار الحرب، وشكلت مجلسا رئاسيا عاجزا وفارغا كانت مهمته الأساسية جزءا من هذا التحول.
حدث ذلك لأن الحوتي يشكل تهديدا عليها ويواصل إنتاج مزيد من الصواريخ. لم تعد الوشاية والتحريش والمخافسة تملك أي جدوى.
هؤلاء لا يسعفهم شيء. لا براعة سياسية، ولا روح أخلاقية ومسؤولية، ولا كفاءة علمية، ولا مروءة اجتماعية. ولا فاعلية محلية.
حتى في فهم طبيعة العلاقة مع الخارج، بما في ذلك العلاقة مع موظفي السفارات العاطلين، وسماسرة مراكز الدراسات والمنظمات، يظهر مقدار العجز. فبدلا من أن يسعى إليك، أصبحت أنت من يسعى إليهم، لأن اهتمامك لم يعد منصبا على الداخل.
لا يدرك هؤلاء أن الخارج نفسه فقد اهتمامه بسلطتهم العاطلة، وأن اليمن لم يعد يحتل موقعا حقيقيا في أولويات أحد. لا أحد هناك منشغل فعلا بمصيركم..
هؤلاء لا يشبهون البلد إطلاقا. ولا يعرفونها.
نقلاً عن صفحة الكاتب على فيسبوك