مخرج الأرض يبدأ من السماء!
الجمعة 17 يوليو ,2026 الساعة: 05:50 مساءً

قد يظن البعض أن ما نكتبه أحيانًا يحمل نبرةً من التشاؤم، والحقيقة أن الكاتب لا يصنع الواقع، وإنما يقرأ ملامحه وينقل ما يعتمل في وجدان الناس. وما نعيشه اليوم من ظروف صعبة ترك أثره في كل بيت، وفي كل حديث، وفي كل نظرة تحمل همَّ الوطن والإنسان.
لكن وسط هذا المشهد، تلوح أمامي بارقة أمل حقيقية تدفعني إلى التفاؤل، لا لأنها مبنية على أمنيات أو أحلام، بل لأنها تستند إلى ملاحظة تتكرر كل يوم. فمن خلال أحاديثي مع الناس، على اختلاف أعمارهم ومواقعهم وتوجهاتهم، أجد عبارة واحدة تكاد تتردد على كل لسان: "ليس لنا مخرج مما نحن فيه إلا بالعودة إلى الله."
هنا يبدأ التفاؤل الحقيقي.
فحين تتجه القلوب إلى خالقها، وتدرك أن الأسباب مهما عظمت تبقى بيده سبحانه، فإن ذلك ليس علامة ضعف، بل بداية قوة، وليس إعلان استسلام، بل بداية تصحيح للمسار. إن الأمم لا تنهض بالإمكانات المادية وحدها، وإنما تنهض قبل ذلك بإحياء القيم، وتجديد الإيمان، وإصلاح الإنسان.
ولعل ما نمر به اليوم ليس إلا مرحلة ابتلاء وتمحيص، يعيد ترتيب الأولويات، ويوقظ الضمائر، ويذكرنا بأن النجاح الحقيقي يبدأ من صدق الصلة بالله، ثم بالأخذ بالأسباب والعمل الجاد والإخلاص في أداء المسؤوليات. فالمحن، على قسوتها، كثيرًا ما تكون بوابةً للمنح، والشدائد كثيرًا ما تصنع الرجال، وتولد من رحمها أعظم التحولات.
قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾.
إن التفاؤل الذي أحمله ليس تفاؤلًا عابرًا، بل هو ثقة بوعد الله، وإيمان بأن بعد العسر يسرًا، وأن مع الكرب فرجًا، وأن العودة الصادقة إلى الله إذا اقترنت بالعمل والإصلاح والأمانة وبذل الجهد، فإنها تفتح أبواب الخير، وتعيد بناء الإنسان قبل العمران.
نحن أمة مرت عليها محن أشد وأقسى، لكنها كانت في كل مرة تخرج أكثر قوةً ونضجًا. قد يطول الليل، لكنه لا يدوم، وقد تتراكم الغيوم، لكنها لا تحجب الشمس إلى الأبد. وما دام في هذه الأمة إيمان حي، وقلوب تنبض بالرجاء، وعقول تؤمن بالعمل، فإن المستقبل يظل مفتوحًا على الأمل.
فلنجعل من هذه المرحلة نقطة انطلاق لا محطة انتظار، ولنحوّل الألم إلى دافع للعمل، واليأس إلى أمل، والابتلاء إلى فرصة للمراجعة والإصلاح. فحين تضيق الأرض بما رحبت، يظل باب السماء مفتوحًا، ومنه يبدأ الفرج، وبه يولد اليقين، وعلى هديه تُبنى نهضة الأوطان.


Create Account



Log In Your Account