التباكي على المقر أو على اتحاد الأدباء
الجمعة 14 أُغسطس ,2026 الساعة: 06:46 مساءً

هل كان الاستيلاء على مقر اتحاد الأدباء والكتّاب اليمنيين في صنعاء مفاجئا؟ 
بالنسبة لي، لا. 
كنت أتوقعه منذ سنوات، لأن ما حدث اليوم ليس سوى نتيجة طبيعية لمسار طويل من الإهمال والتواطؤ والعجز الذي أوصل الاتحاد إلى هذا المصير.

بصراحة، أقولها دون مجاملة: القيادة الحالية لاتحاد الأدباء والكتّاب اليمنيين هي من أسوأ القيادات في تاريخ الاتحاد منذ تأسيسه. 
قيادة تخلت عن دورها، وصمتت أمام الانتهاكات، وراحت تبحث عن مصالحها الخاصة، وتتودد إلى القوى السياسية المختلفة، بدل أن تكون صوتًا مستقلًا للدفاع عن الأدباء والكتاب اليمنيين.
خلال أكثر من عشر سنوات من الحرب، ماذا فعل الاتحاد؟

كم بيانا أصدره دفاعا عن أديب أو كاتب أو صحفي تعرض للاعتقال أو القمع أو التهديد؟ كم موقفا اتخذه ضد انتهاكات حقوق الإنسان التي طالت أعضاءه؟ أين كان عندما تعرض المثقفون والكتاب والناشطون للانتهاكات؟
على الأقل، كانت نقابة الصحفيين اليمنيين تصدر بيانات وتعلن مواقفها، مهما اختلفنا معها أو اتفقنا. أما اتحاد الأدباء، فقد اختار الصمت.
والأكثر غرابة أن مقر الاتحاد ظل مغلقا وفارغا لسنوات طويلة، بحجج واهية، حتى أصبح من الطبيعي أن يسأل الناس: ماذا بقي من الاتحاد أصلا؟

لذلك، لا أتباكى اليوم على المبنى وحده. 
أنا أتباكى على الاتحاد نفسه، على ذلك الكيان الوطني الذي كان من أوائل المؤسسات الثقافية الجامعة لليمنيين، ثم جرى تفريغه من الداخل حتى أصبح هشًا إلى هذا الحد.
المبنى يمكن استعادته، أما المؤسسة حين تفقد احترامها ودورها واستقلالها، فإن استعادة جدرانها لا تعيد إليها روحها.

والأكثر إثارة للسخرية أن أمين عام الاتحاد، المقيمة في القاهرة، هي التي أبلغت الأمين العام المساعد السابق، الأستاذ أحمد ناجي Ahmed Nagi Alnbhaani ومع الأستاذ محمد عبد الوهاب الشيباني ، بالاعتداء على مقر الاتحاد عبر قريب لها في صنعاء!
أي اتحاد هذا؟ وأي تواصل مؤسسي هذا؟

إنه مشهد يلخص مأساة الاتحاد كله: قيادة مشتتة في عواصم الشتات، ومقر مغلق، وأمانة عامة لا تعقد اجتماعاتها، وأطر مؤسسية معطلة، وعضوية مجمدة، وأدباء يمنيون جدد حُرموا من حقهم في الانضمام إلى اتحاد يفترض أنه يمثلهم.
بل إن بعض من يسمونهم اليوم "الأدباء الشباب" تجاوزوا الأربعين، وربما اقترب بعضهم من الخمسين، لأن قيادة الاتحاد عاجزة حتى عن عقد اجتماع للأمانة العامة أو الهيئات المختصة، ولو عبر وسائل التواصل الحديثة، لإقرار عضوية الأدباء الجدد.

هذه ليست أزمة مبنى. هذه أزمة مؤسسة.
والسؤال الذي يجب أن يُطرح بصوت عالٍ: لماذا يتمسك رئيس الاتحاد بمنصبه حتى اليوم؟
كيف يمكن لرئيس اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين أن يحضر فعاليات اتحاد أدباء الجنوب أيام الانتقالي، في الوقت الذي يفترض فيه أن يكون النظام الأساسي للاتحاد واضحًا في رفض تقسيم الاتحاد، كما يرفض تقسيم اليمن؟
وكيف يمكن لقيادة الاتحاد أن تصمت أمام مشاريع تفكيك البلاد، وتتصرف وكأن الأمر لا يعنيها؟

لقد كان المطلوب من الاتحاد أن يكون مؤسسة وطنية مستقلة، تقف ضد السلالية والمليشيات، وضد تمزيق اليمن، وضد التدخلات الخارجية، وضد قمع المثقفين والأدباء والكتاب، وأن تدافع عن أعضائها في كل مكان.

لكن ماذا فعلت القيادة؟
لم تقف بوضوح مع الوطن، ولم تقف بوضوح مع الأدباء، ولم تقف بوضوح ضد الانتهاكات.

والأخطر من ذلك أنها لم تقف حتى ضد تقسيم الاتحاد نفسه إلى كيانات مناطقية، وكأن تفكيك المؤسسة الثقافية اليمنية أمر لا يعنيها.

أما المصالح، فقد أصبحت هي الحاضر الأكبر.
يبدو أن بعض قيادات الاتحاد استطاعت أن تفتح لنفسها أبوابًا لدى الجميع: لدى الشرعية، ولدى الحوثيين، ولدى الانتقالي، ولدى مراكز النفوذ المختلفة، بينما ظل الأديب اليمني الحقيقي بلا صوت ولا سند ولا مؤسسة تدافع عنه.

وهنا أقولها بمرارة: حين تتحول المؤسسة الثقافية إلى وسيلة للحصول على الامتيازات الشخصية، يصبح الصمت موقفا، والتواطؤ سياسة، والتمسك بالمنصب غاية في حد ذاته.

أكثر ما يثير غضبي أولئك الذين يمارسون النفاق الثقافي، ويغرقون هذه القيادات بالألقاب الفخمة، ويمنحونها شهادات التقدير والمديح، وكأننا أمام إنجاز تاريخي.
أي إنجاز؟
هل الإنجاز أن يغلق مقر الاتحاد؟
هل الإنجاز أن تتعطل مؤسساته؟
هل الإنجاز أن يُحرم الأدباء الجدد من العضوية؟
هل الإنجاز أن يعيش أعضاء القيادة في القاهرة والرياض وأبوظبي وغيرها، بينما لا يجد الأديب اليمني مؤسسة تقف إلى جانبه؟
هل الإنجاز أن يصمت الاتحاد أمام انتهاكات طالت الأدباء والكتاب والصحفيين؟

كفى مجاملات.

لقد آن الأوان لأن يتوقف الأدباء والكتاب اليمنيون عن تقديس الأشخاص والمناصب، وأن يسألوا بوضوح: ماذا قدمت هذه القيادة للاتحاد وللأدباء خلال سنوات الحرب؟

أنا لا أدافع عن احتلال مقر الاتحاد، ولا أبرر الاستيلاء عليه تحت أي ذريعة.

 المقر ملك للمؤسسة، ويجب أن يعود إليها.
لكنني أقول إن الذين يصرخون اليوم على المبنى عليهم أن يسألوا أنفسهم أولا: 

من الذي ترك المبنى فارغا كل هذه السنوات؟
 ومن الذي ترك الاتحاد بلا حضور حقيقي؟ 
ومن الذي أوصل المؤسسة إلى هذا الضعف؟

المسؤولية الأخلاقية لا تبدأ يوم يُقتحم المبنى، بل تبدأ منذ اليوم الذي تخلت فيه القيادة عن دورها.
لقد كان اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين مؤسسة وطنية جامعة، تأسست في زمن كانت فيه الوحدة مشروعا ثقافيا وسياسيا قبل أن تكون شعارا سياسيا.
 
اليوم، للأسف، صار الاتحاد نفسه صورة مصغرة عن حالة الانقسام التي يعيشها اليمن.
اتحاد بلا نشاط، بلا اجتماعات، بلا عضوية جديدة، بلا بيانات، بلا موقف، بلا حضور، وبقيادة متمسكة بالمناصب رغم عجزها عن ممارسة أبسط وظائف المؤسسة.

هذه هي الحقيقة التي يجب أن تُقال، حتى لو أغضبت البعض.
والأيام القادمة ستكشف الكثير من الحقائق التي جرى إخفاؤها طويلا خلف المجاملات والألقاب والمصالح.
أما أنا، فلا أبكي على مبنى أُهمل لأكثر من عقد.

أنا أبكي على اتحاد كان يمكن أن يكون صوت اليمن الثقافي، فتحول على أيدي قيادته إلى مجرد اسم، ومناصب، وذكريات.

والكارثة ليست أن يُستولى على مقر الاتحاد.
الكارثة الحقيقية أن يكون الاتحاد قد سُلِب من الداخل قبل أن يُستولى على مقره من الخارج.


Create Account



Log In Your Account