السبت 22 أُغسطس ,2026 الساعة: 01:28 مساءً
في المشهد الميداني الأخير الذي تداولته وسائل الإعلام، لم يكن الخبر مجرد استعراض عسكري لتوازن رعب جديد بظهور طائرات "الكوادكوبتر" والانتحاريات لدى الأطراف المتصارعة؛ بل كان تجسيداً صارخاً لمأساة وطن يُستنزف، وشعب يُساق نحو محرقة لا ناقة له فيها ولا جمل.
أن يتحول اليمن إلى ساحة اختبار سريعة لتكتيكات الحروب الحديثة — كمنظومات المسيرات الصغيرة القاتلة التي نقلت نموذج الحرب الروسية الأوكرانية إلى الشرق الأوسط — لهو دليل إضافي على أن أدوات القتال أصبحت أسرع تطوراً بكثير من ضمائر القائمين عليها.
أولاً: حقيقة المحرقة الميدانية والسيطرة المستحيلة
إن القراءة العسكرية الصريحة للمشهد تؤكد أن كلفة التقدم الميداني أصبحت خيالية. فأي تجمع بشري أو عتاد عسكري يغدو اليوم هدفاً سهلاً ومكشوفاً أمام التقنيات غير المتناظرة.
وهم الحسم: أي طرف يتوهم قدرته على فرض السيطرة المطلقة على كامل التراب اليمني بالقوة العسكرية فهو غارق في الأوهام؛ لأن السلاح الحديث يمنح كل طرف قدرة التعطيل والاستنزاف المقابل.
إهدار القدرات: إن إزهاق أرواح عشرات الشباب وتدمير الآليات والمعدات اليومية ليس سوى تدمير ممنهج للبنية التحتية والمقدرات التي بُنيت بعرق اليمني المحروم.
ثانياً: ارتهان القرار وسلب الإرادة الوطنية
المرارة الحقيقية التي تدمي قلب كل مواطن هي الشعور الجازم بأن مصير اليمنيين لم يعد بأيديهم. لقد أُخرج القرار الوطني من حاضنته الطبيعية، وأصبحت دماء أبناء اليمن مجرد أوراق تفاوضية على طاولات الإقليم والدول الكبرى.
حروب الوكالة: يُزفّ الشباب إلى الجبهات بعناوين حماسية، بينما الهدف الحقيقي هو خدمة صراعات وتقاطعات مصالح خارجية لا تقيم وزناً للإنسان اليمني ولا لمستقبله.
استدامة الصراع: طالما بقيت أطراف الصراع مرتهنة للتمويل والدعم والتوجيه الخارجي، ستظل الحرب اشتعالاً دون أفق، وسيظل المواطن البسيط رهينة في قوته، وأمنه، وحياة أبنائه.
ثالثاً: المواطن اليمني.. الرهينة الدائمة
بينما تتفاخر القوى بالبيانات العسكرية وعدد الضحايا من الخصوم، يقف المواطن البسيط أمام دمار بيته، وانقطاع مرنبه، وغلاء معيشته، وفقدان فلذة كبده. لقد تعبت القلوب وهي تهتف وتستغيث: "يا ليت قومي يعقلون".
إلى متى يُراد لهذا الشعب أن يظل وقوداً لمعارك لا تنتهي؟
وكيف يُطلب من بلد يرزح تحت الأزمات والفقر أن يتحمل كلفة أحدث التقنيات العسكرية الباهظة؟
الخاتمة: إحقاق الحق واستعادة الذات
إن استعادة اليمن لا تبدأ من الفوهات المشتعلة ولا من أجنحة الطائرات المسيرة، بل تبدأ من لحظة إدراك شجاعة لدى جميع الفرقاء بأن الارتهان للخارج هو انتحار جماعي. إن الاستمرار في هذا المسار لن يورث إلا مزيداً من التمزق والضياع.
وليس للمواطن المغلوب على أمره في ظل هذه الظلمة النازلة إلا أن يرفع أكف التضرع والرجاء، داعياً المولى عز وجل أن يلطف بهذا البلد المكلوم، وأن يحق الحق أينما كان، ويقي اليمن شرور الأجندات التي تعبث بأرضه وإنسانه.