الخميس 29 أكتوبر ,2026 الساعة: 06:01 مساءً
حين يعلو صوت أحدهم صارخا "تسقط القبيلة!"، ليست شوكة من نبت الصحراء، بل شوكة التاريخ حين يتحول إلى جرح ملتهب يرفض أن يندمل، لأن كل من حوله يرفض الاعتراف أنه جرح من الأساس.
القبيلة، هذه المؤسسة العتيقة التي ولدت قبل الميلاد ولم تمت بعد، لم تعد مجرد تركيبة اجتماعية، بل صارت "جهازا موازيا" له عَلم خفي، ونشيد غير معلن، وموازنة منسية في دفاتر الدولة، لكنه حاضر في كل صفقة وكل طاولة وكل كارثة.
بمعنى أدق إنها الدولة داخل الدولة أو خارجها، حسب المصلحة.
فحين تعلن القبيلة ولاءها "للدولة"، تفعل ذلك بشرط: أن يكون في الأمر راتب، وبدل مشيخة، وعميد قبلي يُمنح ارضيات في الكتف مقابل ثلاث إهانات على دماغ المواطن. وفجأة تتحول القبيلة إلى شريك استراتيجي في مكافحة الإرهاب أو في صناعته.
وحين تغضب القبيلة من الدولة، تمارس حقها "التاريخي" في التمرد، لا على الفساد، بل على قِسمة لم تنصفها في الكعكة. وتتحول من حليف إلى مقاول فوضى، ومن شريك إلى راعٍ رسمي للفوضى المسلحة، باسم "المظلومية"، وتعود الأوالي للزئير، لا دفاعا عن كرامة، بل شهوة لرأس جديد تُضاف إلى سلسلة الرؤوس السابقة.
تخيلوا وطنا تُدار فيه الأمور بمنطق "الشيخ قال"، و"عيب في حق القبيلة"، و"هذا ابننا ما ينحكم عليه". حتى بات القانون مجرد اقتراح، والدستور مسودة، والمؤسسات أوهام في ذاكرة نشرة الأخبار.
لكن، رغم كل هذا، لا ينبغي أن نرجم القبيلة وحدها. فالسلطة، ومنذ عقود، هي من غازلت القبيلة وناورت بها، وربما خافت منها أكثر مما خافت من المعارضة. فبنت تحالفاتها على أساس "كم بندق عندك؟" لا "كم كتاب قرأت؟". ومدت السجاد الأحمر لشيوخ لا يملكون إلا أختامهم، ونسيت مثقفين لا يملكون إلا أقلامهم.
والشاهد أن القبيلة في هذه المعادلة لم تعد تراثا، بل ورطة. لا هي انقرضت فارتحنا، ولا هي تطورت فافتخرنا.
بقيت هناك، في منتصف الطريق بين الجاهلية والحداثة، تمضغ "المروءة" بأسنان المصالح، وتبصق على المدنية متى لم تعترف بها حاكمة.
والناس؟ الناس بين مطرقة "العار" وسندان "العيب". ينجبون أبناءهم في قبيلة، ويتخرجون من الجامعة مواطنين، ثم يموتون كـ "أولاد فلان" لا كمواطنين.
فيا قبيلتي، كفى. يا دولتي، اصحي. لا القبيلة تبني وطنا، ولا الدولة تُختصر في بندق وكوفية.
كذلك لا الشجاعة في من يقتل لأجل ثأر، ولا الرجولة فيمن يصرخ "أني شيخ
!" ثم يطالب بحصته من النفط.
ألا فل"تسقط القبيلة"، لا كرمز اجتماعي، بل كسلطة فوق القانون، كصوت أعلى من الوطن، كعقيدة ترفض أن تتزحزح عن مقدمة القاطرة.
ألا فلتبقَ القبيلة كما يجب أن تكون: قصة تُحكى في أمسيات الشتاء، لا كابوسا نحياه في صيف الانفجار.
و هنا، تنتهي الكلمات وتبدأ الأسئلة:
من يعلم القبيلة أن الوطن ليس حظيرة بل حلم؟