الإثنين 14 سبتمبر ,2026 الساعة: 04:05 مساءً

مبارك الحيدري - الحرف 28
المواطنة كاتبة صالح عبدالله الحجاجي، واحدة من الأمهات اليمنيات اللواتي يدفعن أبناءهن إلى مقاومة مليشيا الحوثي، ويشاركنهم تفاصيل المعركة.
في الثالث من سبتمبر/أيلول الجاري، سمعت كاتبة صوت نجلها عدنان المنتصر للمرة الأخيرة، في مكالمة هاتفية، قبل ساعات من استشهاده في مواجهة مليشيا الحوثي الإرهابية بجبهة الكدحة غربي محافظة تعز.
كان عدنان، البالغ من العمر 21 عامًا، يتحدث مع والدته عن أوضاعه ورفاقه في الجبهة، ويطمئنها بأنهم بخير، وفق رواية شقيقه أحمد المنتصر لـ"الحرف 28".
الأم، التي اعتادت تشجيع أبنائها على الثبات في القتال، أرادت هذه المرة أن تتحدث مع نجلها عن حياته الخاصة؛ فأخبرته بأنها تريد أن تفرح به، وأن الوقت حان لكي تخطب له وتراه عريسًا، وارتقى بعد سماع صوتها في اليوم ذاته.
تشجيع أبنائها على المقاومة
اعتادت كاتبة الحجاجي، بحسب نجلها أحمد المنتصر، على تشجيع أبنائها على الصمود والمقاومة في مواجهة مليشيا الحوثي، ومساندتهم في اختيار طريق القتال.
وكان عدنان، أصغر أبنائها، واحدًا من هؤلاء الذين حملوا السلاح إلى جانب والده وإخوته، وخاضوا مواجهات في عدد من جبهات القتال شمال الضالع، قبل أن ينتقل إلى جبهة الكدحة غربي تعز.
وتمنح الأم أبناءها القوة لمواصلة القتال، وجدت نفسها في المكالمة الأخيرة مع ابنها أمام رغبة مختلفة؛ رغبة أم تريد أن ترى ابنها عريسًا، وأن تعيش معه فرحة طال انتظارها.
سألته عن أوضاعه وأوضاع رفاقه، فأخبرها أنهم بخير، وأن "زوال الحوثي قريب".
وحين انتقل الحديث إلى حياته الشخصية، قالت له إنها تريد أن تفرح به وتراه عريسًا، وأن الوقت حان لزفافه، وفق رواية شقيقه أحمد.
لكن عدنان كان يتحدث بعين أخرى؛ فقد أخبر والدته أنه يرى نفسه شهيدًا، وطلب منها ألا تحزن إذا استشهد هو أو أحد إخوته، لأنهم، كما قال، "في طريق الحق". ثم طمأنها قائلًا: "لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا".
صمودها في وداع نجلها
ارتقى عدنان، البالغ من العمر 21 عامًا، بعد ساعات من مكالمته الأخيرة مع والدته، أثناء مواجهات مسلحة ضد مليشيا الحوثي في جبهة الكدحة غربي تعز.
وقال شقيقه لـ"الحرف 28" إن بعد ثلاثة أيام، وصل جثمانه إلى محافظة الضالع. هناك، وقفت كاتبة أمام جثمان نجلها؛ قبّلت جبينه ونظرت إلى وجهه، قبل أن تطلب من النساء الزغاريد، وفق حديث الأسرة.
ويقول نجلها أحمد إن والدته طلبت بندقية، وأطلقت النار في الهواء وهي تهلل وتحمد الله، في مشهد وثقته كاميرا.
ووُصف موقف كاتبة في استقبال جثمان ولدها بالصمود والتضحية من أجل الكرامة والعِرض والأرض، وظهرت بصورة الأم التي ترى في استشهاد نجلها مصدر فخر، رغم قسوة الفقد.
وأوضح نجلها أحمد، وفق ما نقله رفاقه، أنه بعد تعرض مجموعة من رفاقه للحصار، طلب منهم الانسحاب وإسعاف الجرحى، بينما بقي في موقعه لتغطية انسحابهم بالنيران.
وبحسب الرواية التي نقلها شقيقه، قال عدنان لرفاقه إنه سيبقى يقاتل حتى يكتب الله له الشهادة أو النصر، وواصل إطلاق النار والثبات في موقعه إلى أن استشهد.
وتشير الأسرة إلى أن القوات تمكنت في اليوم نفسه، الثالث من سبتمبر/أيلول 2026، من الهجوم على الموقع الذي كان يتمركز فيه عدنان، وانتزاعه من مليشيا الحوثي، وانتشال جثمانه.
الحجاجي.. نموذج لأمهات المقاتلين
تجسد قصة كاتبة الحجاجي جانبًا من حياة أمهات المقاتلين اللواتي يعشن تفاصيل الحرب؛ ينتظرن أبناءهن، ويتابعن أخبار الجبهات، ويواجهن احتمال الفقد في كل لحظة.
فالأم التي تشجع ابنها على الثبات في الجبهة ومواجهة الإمامة الجديدة، هي نفسها التي تعيش قلق الانتظار، وتحلم بعودته سالمًا، وتبقى مستعدة لمواجهة أصعب خبر.
وفي حالة كاتبة، جاءت لحظة الفقد بعد ساعات فقط من حديثها مع نجلها عن مستقبله، لكنها اختارت أن تجعل من لحظة وداعه موقفًا يعبر عن الصمود والفخر.
وبين الحزن والفخر، تعد قصة كاتبة رسالة لأسر أخرى تعيش التجربة ذاتها، بعدما تداول أبناء المنطقة وأسر المقاتلين مشهد استقبالها لجثمان نجلها.
وإلى جانب مواقف وقصص أسر وأمهات المقاتلين، تتجلى مظاهر الإسناد الشعبي للمقاتلين من قبل الحاضنة الشعبية في مبادرات مجتمعية، من خلال توفير الغذاء والماء والمساعدات للجبهات، في تجسيد للتلاحم بين المجتمع والقوات المسلحة في مواجهة مليشيا الحوثي.