الجمعة 21 نوفمبر ,2025 الساعة: 07:27 مساءً
من سقوط الدولتين إلى ولادة الدولة النظامية
عرف صانع القرار السعودي عبر تاريخه محطات قاسية شكّلت وعيه السياسي. فقد سقطت الدولة السعودية الأولى بفعل التدخل الخارجي،
ثم أسقطت الخلافات الأسرية الداخلية الدولة السعودية الثانية، ما جعل قيام الدولة السعودية الثالثة يتأسس على قاعدة إستراتيجية: أولاً ترتيب البيت الداخلي على صعيد الأسرة والشعب.
ثانياً استباق الخطر قبل وصوله، نظرية المجال الحيوي للأمن القومي: "نذهب إليهم قبل أن يأتوا إلينا".
الدولة المركزية وبناء العقلية
مع بناء الدولة الثالثة، اكتمل فرض النظام وصون الأمن، مدعومة بشرعية دينية خلال 90 عاما رسّخت مكانة ولي الأمر وحرّمت الخروج عليه. وشكلت العقلية النظامية، التي تتسم بـ:
ثقة راسخة بالأسرة والمؤسسات
تقدير عميق لفكرة الدولة
قبول التغيير المنظّم
وعي جماعي يضع الأمن فوق كل اعتبار
ومع الزمن ترسّخت قناعة بأن الخطر ليس في السلطة بل في الفوضى، ولهذا لم تواجه سياسات محمد بن سلمان مقاومة تُذكر داخل الأسرة أو من قبل الشعب.
رؤية 2030… قلق التحوّل وتحول العقد الاجتماعي
غير أنّ رؤية 2030 أدخلت عنصرًا جديدًا: قلق التحوّل. وهو قلق لا يطعن في الدولة، بل في سرعة إعادة تشكيل الهوية الاقتصادية والاجتماعية.
كانت الدولة السعودية تقوم على ركائز ثلاث:
الديني: خادم الحرمين الشريفين
الرخاء الاقتصادي
قوة وتماسك الأسرة الحاكمة
بعد عقودٍ تتغير تلك الركائز، وهنا يبرز سؤالين:
السؤال الأول
موجّه للدول العربية والاسلامية :
الدول الراسخة تنهض على مصفوفة حماية تصون كيانها من السقوط. فالدولة الأوروبية مثلًا:
دينيًا تقوم على المسيحية
قانونيًا وعسكريًا ترتكز على الإرث الروماني
فلسفيًا تعتمد على الفكر اليوناني
وتقنيًا تستند إلى المنجز الأمريكي والأوروبي.
دولنا العربية والاسلامية ما المصفوفات التي تقوم عليها؟
السؤال الثاني والأهم
المنحة الجماعية التي كانت تقدم للشعب عبر خدمات شبه مجانية الماء، والكهرباء، والوقود، ودعم المعيشة قد تبدّلت.
وجاءت الضريبة التي ستعيد تشكيل نسق التفكير الشعبي، لتضعه مستقبلًا أمام معادلة جديدة:
"أنا أدفع ضريبة… فأين جودة الخدمة؟ وستبدا المساءلة عن الأداء؟"
الملاحظ هنا لم يرافق ذلك إصلاح سياسي وهو ما قد يخلق فجوة بين الدولة والمجتمع لم يألفها الوعي السعودي من قبل.
ثانيًا: اليمن… من كثافة التاريخ إلى عقلية التحفّظ
بالطرف المقابل، نجد تجربة اليمنية عاشت تاريخًا متشابك ومعقد، فهي وريثة حضارات عريقة:
سبئية تجيد التجارة وحماية طرقها
قتبانية حافظت على النظام القبلي وإدارة الموارد
معينية مارست الزعامة الدينية والسياسية
حميرية أسست الدولة المركزية ووسعت النفوذ
وبعد الإسلام، حتى نهاية التاريخ الحديث شهدت اليمن ظهور دويلات مذهبية متنوعة، الإسماعيلية والزيدية والصليحية والرسولية.
وفي التاريخ المعاصر عرفت اليمن الشمالي والجنوبي ثم الوحدوي الثورات والانقلابات والاغتيالات، وإئتلافات سلطوية بالإضافة لأفكار قومية وماركسية ودينية وقبلية.
كان يفترض أن تدخل كل تلك الحضارات في “معدة” الجسم اليمني لينتج عقلية تمزج بين مهارة التاجر ورحابة المسؤول صاحب الحضارة، لكن ما حدث أن تأثير القبيلة أسهم في تشويه هذا الامتزاج؛ فبدل أن تتكامل تلك الموروثات لتصنع عقلًا منفتحًا مبدعا لكن تحت ضغط العصبية، تحولت القدرات إلى نزعات احتكار، والمعرفة إلى حذر مفرط، والمسؤولية إلى سلطة متوجسة متآمرة، فأصبحت الحضارة مادة خام لم تُستثمر كما ينبغي.
ومع التحولات التي شهدتها اليمن بعد ثورة 1962 حدث خطف للدولة والحزب والثقافة لصالح القبيلة التي قدمت ان كل فرد منها هو قائدًا مكتمل الأركان، يتجلّى فيه التاريخ بكل طبقاته؛ فوجد القبيلي الذي يحمل رتبة عسكرية، وفي الوقت ذاته يقود حزبًا، ويشغل منصبًا في الدولة، ويعمل بالتجارة ويمارس المعارضة في أوقات فراغه.
كأنّ القبيلي بعد 1962 تقمّص دور الممثل الشرعي لحضارات اليمن القديمة؛ فأصبح يُسقطها على سلوكه وكأنها امتداد طبيعي له.
فهو حميري في السلطة، يمارسها بأنفة وكبرياء وتعالٍ على الجميع.
وقتباني لا يزال يحمي طرق وقوافل والتي تجسّدت عنده اليوم بالشركات النفطية والاستثمارية، لذلك فهو يطالب بحق الحماية والخدمات الأمنية.
ومعيني في الزعامة الدينية والسياسية، لذلك أنشأ أحزابا إلى جانب نفوذه العسكري والقبلي، والتجاري معتقدًا أن الزعامة إرث خاص به