العقلية اليمنية والعقلية السعودية: محاولة في فهم التفكير السياسي (الحلقة الثالثة)
الإثنين 24 نوفمبر ,2025 الساعة: 03:08 مساءً

حين نضع العقلين السياسيين اليمني والسعودي تحت الاختبار، نجد أن القرارات في لحظات الأزمات تكشف طبيعة السلطة ومنهجها في التفكير، وهي طبيعة تتشكل من تراكم التجارب ووعي كل بلد بتاريخه السياسي. وعند نقل هذه القراءة من الهامش إلى مركز الضوء، تتضح فروق ناتجة عن سياقات مختلفة تشكّلت فيها أنماط التفكير.


أولًا: العقلية التأويلية الحذِرة

تتسمُ العقليةُ اليمنية بطابع يميل إلى التأويل والحذر، فلا تتجه غالبًا نحو الحسم السريع، بل تميل إلى البحث في خلفيات المشهد وما يمكن أن يرتبط به.

فعند حدوث تغيير في منصب رفيع كإقالة وزير أو استبدال مسؤول كبير، لا يُنظر إلى ذلك غالبًا كقرار إداري بحت، بل تتكاثر الأسئلة حول دوافعه وتأثيراته ومن قد يكون خلفه، ويترافق ذلك مع تحركات قد تكون علنية أو غير معلنة لإعادة ترتيب المواقع، في مشهد يعكس تفاعلًا سياسيًا مستمرًا ومتجددًا.

أما في السعودية، فإن التغيير — مهما كان كبيرًا — يمرّ عادة بهدوء مؤسسي، إذ يتحرك القرار داخل إطار واضح يحدّ من التأويلات الواسعة. وقد تغيّر أمراء وملوك دون أن تهتز بنية الدولة أو يجنح المجتمع نحو قراءات مفتوحة.
وبينما تميل الذاكرة اليمنية إلى الاحتفاظ بأحداث تاريخية طويلة، تتعامل الذاكرة السعودية مع التحول باعتباره جزءًا من مسار مؤسسي متدرج.


ثانيًا: القاعدة – نموذج للمقارنة

1. العقلية السعودية: معالجة الخطر من جذوره

واجهت السعودية أزمة القاعدة عام 2003 برؤية تركز على معالجة جذور الخطر عبر خطوات متعددة، شملت:

إعادة هيكلة الأمن

تأسيس برنامج “المناصحة”

تجفيف التمويل

رسائل سياسية ودينية متوازية

السيطرة على الفضاء الإعلامي والمالي

تعديل بعض المسارات الفكرية التي شكّلت بيئة خصبة للتشدد


2. العقلية اليمنية: إدارة الخطر بدل اجتثاثه

تعاملت اليمن مع القاعدة بعقلية تميل إلى إدارة الأزمات عبر موازنة التحالفات المتعددة.

فمحاربة الشيوعية مثلًا لم تكن مؤسساتية بالكامل، بل شاركت فيها قوى إسلامية وقبلية، ما أدّى إلى بروز شركاء جدد داخل الدولة. وتكرر الأمر في المواجهات بين السلفية والحوثيين ثم انقلاب التحالفات بينهما، مما أنتج تفاعلات ظرفية تتجدد مع كل مرحلة.

كما استخدمت اليمن أسلوب “تفريخ” بعض التيارات — متشددة أو معتدلة — لمحاصرة القاعدة بطريقة تشبه “الحرق العكسي”، وهي آلية قد تنجح في حرائق الغابات، لا بالجوانب السياسية، حيث أدت إلى تشتت الجهود الأمنية وظهور تنظيمات موازية.


ثالثًا: العقلية الحاكمة في اليمن والسعودية

1. الحمدي: طموح يصطدم بجدار الجغرافيا وسياسة ردّ الفعل

سعى إبراهيم الحمدي إلى تحقيق استقلال القرار اليمني عن التأثيرات الإقليمية، فواجه الفساد، وعمل على تقليص دور القبيلة، وسعى للوحدة مع الجنوب ضمن رؤية واضحة لبناء الدولة الحديثة.
ومع ذلك، كان موقع اليمن الشمالية على الحدود الفاصلة بين الجنوب الشيوعي والسعودية خلال الحرب الباردة يجعل أي خطوة خارج تلك المظلة محفوفة بالتحديات.

وكان اليمن ضمن مجموعة الدول التي حاولت موازنة النفوذ بين المعسكرين الشيوعي والرأسمالي، ما وضعها في موقع حساس يتطلب حذرًا سياسيًا دائمًا.
"الغرب يعتبرها من ضمن الدول ١٢ العازلة التي تمنع احتكاك القوتين العظميين انذاك أمريكا والاتحاد السوفيتي مثلها مثل الالمانيتين وكوريا تشيكوسلوفاكيا"


2. صالح: رؤية قوية وامتلاك نادر لميزة “لا” يعقبها التعثر

اتبع علي عبدالله صالح منهجًا مركبًا في إدارة الدولة، تضمنت خطواته الأساسية:

تأمين مؤسسة الرئاسة أولًا

التوجّه نحو التسليح الروسي

المصالحة الداخلية، واستغلال مظلة المؤتمر لممارسة العمل السياسي من خلالها

استخراج النفط

الوحدة مع الجنوب

 توقيع الحدود مع عُمان

مواقفه في حرب العراق، كل مواقفه الكبيرة كانت خارج الرضى السعودي

ورغم هذا التعارض، حافظ صالح على تواصل مستمر مع السعودية، وبرزت قدرته على إدارة الملفات المعقدة، مثل حادثة كول، التي تعامل معها بذكاء وهدوء.

إلا أن أحد أبرز تحدياته كان إدارة الأزمات عبر قنوات موازية خارج مؤسسات الدولة، ما راكم عليه التزامات كبيرة تجاه القوى التي تحالف معها، والتي كانت تتشكل وتتغير بعد كل أزمة، وهو ما أثر على استقرار المؤسسة وإنتشار الفساد.


3. العقلية السعودية: الاستقرار قاعدة والبراغماتية أداة

في السعودية، يُعدّ الاستقرار قاعدةً أساسية، وتُستثمر البراغماتية أداةً للتطوير. ورغم الدور التاريخي للأمراء، فقد برزت في حقبة الملك فيصل نخبة من خارج الإطار التقليدي مثل: رشاد فرعون، كمال أدهم، أحمد زكي يماني، أحمد عبدالوهاب وغيرهم.

هذه النخبة أسهمت في تشييد مدرسة سياسية قائمة على الكفاءة، وعلى انفتاح محسوب يحافظ على هوية الدولة، ويتجنب في آنٍ واحد الانغلاق أو تضخم البيروقراطية.

الأمراء الأحرار وعدم كسر الروابط

تعامل الملك فيصل مع حركة “الأمراء الأحرار” 1962 بعقلية دولة لا بعقلية صراع أسري؛ فبدل أن تتحول الأزمة إلى قطيعة، أدارها بمنهج يحفظ تماسك الأسرة ويحتوي الاختلاف، وجميعهم عادوا في فبراير 1964، حيث صرّح الأمير طلال بأنه أدرك “غلطة لا تُغتفر”.

عالج فيصل التمرّد بوصفه انحرافًا مرحليًا يمكن استيعابه، لا جريمة سياسية تستدعي كسر الروابط، فاستقرت الأسرة وتعززت شرعية الدولة.


Create Account



Log In Your Account