الأخوة المهرّبون الأكارم
الجمعة 12 يونيو ,2026 الساعة: 05:26 مساءً





"ابنُ المَعِيديِّ لا تسمعْ به... حتى تراه."

حكومة تبيع الوهم قبل القرار، وتُزيّن الكارثة بورقٍ رسميٍّ لامع، ثم تترك الناس يكتشفون الحقيقة وحدهم تحت ركام الأسعار.

تفتّقت قريحة حكومة إبن المعبدي بمجزرة رفع الدولار الجمركي، وسكبت عليها صلصةً تسويقية بائسة سمّتها: "رفع الراتب عشرين بالمائة". ورغم أن الجميع أدرك منذ اللحظة الأولى أنها زيادةٌ لا تكفي لشراء آثار الزيادة نفسها.

مضت خطة إبن المعيدي كما تمضي الأوهام الكبيرة: ضجيجٌ في البداية، وخيبةٌ في النهاية.

ارتفعت الأسعار، فوق قدرة الناس، وتحوّلت الزيادة الموعودة إلى سرابٍ سياسي

 لا يُشبع جائعًا، 
ولا يطفئ وجع أسرةٍ تبحث عن دواء، 
أو أبٍ يُصارع كي لا يعود إلى منزله خالي اليدين.

رفع الدولار الجمركي مؤكد أنه سيؤدي لنشاط التهريب، فهذه نتيجة تعرفها أبسط قواعد الاقتصاد. 

خاصة أن الحكومة لم تُعلن عن خطة جادة لمواجهة ذلك، ولم ترصد ما يكفي لتطوير المنافذ أو تدريب الكوادر الجمركية، اكتفت برفع الكلفة على المواطن وتركت بقية المشهد لمصيره المحتوم.

بالمقابل... سيظهر أبطال الظل.....
الإخوة المهرّبون الأعزاء...

أصبحتم أقرب لوجع الناس من المؤسسات الرسمية، وسياسة الحكومة تزيد نشاطكم بتوفير السلع والأدوية بأسعار أقل.

المواطن يراكم اليوم حكومة إنقاذ وحكومة ظل الحقيقية؛ فالحكومة الافتراضية تعلم أنكم ستقومون مقامها، وستعملون تحت ظروفٍ قاهرة، وتخاطرون بكل شيء لإيصال احتياجات الناس إلى الأسواق.

حتى ليخيل للمرء أحيانًا أن الحكومة والتهريب وجهان لمشهدٍ واحد؛ فكلما أغلقت الأولى بابًا على الناس، فتحت الثانية نافذة وكأننا أمام دكتور جيكل ومستر هايدي.

فكل ما نطلبه منكم... الأمانة في التهريب.
اختاروا السلع التي يحتاجها الناس قبل السلع التي تدرّ الأرباح.

نناشد فيكم أمانة التهريب، خصوصًا في الأدوية؛ فلا شك أن لديكم من المعرفة بقوائم النواقص ما لا تملكه جهاتٌ عجزت عن توفيره أو حتى معرفة ما الذي ينقص أصلًا.

مارسوا ــ إن شئتم ــ وطنية التهريب، ولكن بوسائل تحفظ سلامة ما تنقلونه، لأن المواطن اليمني لم يعد يملك رفاهية الاختيار بين القانون والحياة.

أنتم جماعة ضغط ولستم مجرد مهرّبين.
فهذا الوصف لم تصنعه الكلمات، بل صنعته الظروف التي دفعت الناس إلى البحث عن البدائل حيث كان يفترض أن يجدوا الدولة.

ولذلك نرجو أن يضغظ الدكتور جيكل على مستر هايدي بتعبيد طرق التهريب، وعلى مجلس النواب بإصدار "قوانين أصول التهريب"، ومعاقبة كل من لا يلتزم بمعايير الجودة والسلامة فيه.

اعذرونا... فهذه طلبات لا تشكك بكم فنحن نثق بكم، لكننا نخشى أن يأتي بعدكم من لا يحافظ حتى على شرف التهريب وأصوله الذي تؤسسوه اليوم.

وهنا تبدأ لحظة المراجعة المؤلمة.

أيُّ سقوطٍ هذا الذي يجعل الجريمة أكثر تنظيمًا من الدولة؟

وأيُّ زمنٍ هذا الذي سيصبح فيه المهرّب أقرب إلى الناس من مؤسساتٍ تمتلك الأختام والشعارات والسيارات الرسمية؟

لكن المأساة الحقيقية لا تبدأ هنا.

فحين يصل مجتمعٌ إلى مرحلة البحث عن الخلاص خارج مؤسساته، 
وهنا نصل إلى جوهر الحكاية.

أعيدوا لنا دولة الفساد المُقنّن.

نعم، لقد كانت لنا ــ يومًا ما ــ دولة واقعية، تعترف بأن هناك ظروفًا أكبر من قدرتها، وأن هناك هوامير لا تستطيع الاقتراب منهم، لكنها كانت ــ على الأقل ــ تُبقي الفوضى تحت سقفٍ معلوم.

ولعل أكثر العبارات إثارةً للجدل آنذاك ما نُسب إلى رئيس الوزراء السابق عبدالقادر باجمال حين قال إن "الفساد ملح التنمية".

وهي عبارة أثارت غضبًا واسعًا يومها، لكن السنوات اللاحقة دفعت كثيرين إلى المقارنة بين فسادٍ تحكمه دولة، وفسادٍ لم يعد يحكمه أحد.
ومع الأيام وُلد ما يمكن تسميته بـ"الفساد المُقنّن"،

 ذلك الفساد الذي اكتشف اليمنيون متأخرين أنه ــ بكل عيوبه ــ كان أقل وحشيةً من الفساد الفردي المنفلت الذي انفجر بعد دخول الدولة طور الانهيار الكامل.

فالفساد الفردي أشد فتكًا؛ لأنه بلا ضابط، بلا مرجعية، بلا كبيرٍ يخشاه الصغار.

ثم ماذا حدث؟
تعمّم الفساد المجنون، وتوحّشت المصالح الصغيرة، وتكاثرت مراكز النفوذ، حتى أصبح الوطن مفتوحًا لكل أشكال العبث :

وطنًا بلا سيادةٍ مكتملة،
ومواطنًا بلا كرامةٍ اقتصادية،
ودولةً تتآكل كل يوم من أطرافها حتى قلبها.

أيها المهرّبون...
لا تستغربوا هذا الخطاب؛ فحين تضيق خيارات الشعوب بين العجز والفوضى، يصبح السؤال أقل ارتباطًا بوجود التهريب من عدمه، وأكثر ارتباطًا بما يُهرَّب، وكيف يُهرَّب، ولصالح مَن.

وليس في هذا الحديث مديحٌ للتهريب ولا دعوةٌ إليه، فالأوطان لا تُبنى خارج القانون.

 لكنه وصفٌ لواقعٍ مختلّ دفعت إليه السياسات الفاشلة، حتى بات الناس يقارنون بين أضرار التهريب وأضرار القرارات التي تدفع إليه.

وتظل الدهشة أي زمن نعيشه حين نقارن بين فسادين لا ما ينبغي أن تكون عليه حياتنا  

اليمن بين أدب التهريب الدولي... والتهريب المحلي

وللتهريب ــ في أدبيات المجتمعات المنهكة ــ شرفٌ مفقود؛ إذ كانت الحدود تُخترق أحيانًا لا لزيادة الأرباح فحسب، بل لإيصال ما تعجز الحروب والعقوبات عن السماح بمروره :

دواءً لمريض، وكتابًا لطالب، ولعبةً لطفل، وسلعةً تحفظ للناس شيئًا من كرامة العيش، هذا ما نريده منكم.

أما التهريب الذي يثقل كواهل المنكوبين ويضاعف معاناتهم، فليس سوى وجهٍ آخر للأزمة نفسها وحاشاكم ايها المقربين ان تكونوا كذلك.

لست أول مواطنٍ يطالب بذلك، وليست اليمن أول بلدٍ يصل إلى هذه المرحلة؛ فقد اضطرت دولٌ أنهكتها الحروب والعقوبات إلى التعايش مع اقتصاد الحرب وشبكات التهريب.

حدث هذا في لبنان والعراق وبعض دول البلقان، وغيرها من الدول وكانت تلك الشبكات ــ في أحيانٍ كثيرة ــ أكثر قدرة على توفير السلع من مؤسسات الدولة نفسها.

لكن الفرق المؤلم أن تلك الدول كانت تبحث عن طريقٍ للعودة إلى الدولة، بينما يبدو أن كثيرين عندنا اعتادوا السقوط.

ولهذا... لم يعد السؤال في الشارع اليمني: من يحكم اليمن؟
بل أصبح السؤال الأكثر وجعًا ومرارة :

من بقي أصلًا... ليستحق أن يُسمّى دولة؟ أو من يخاطبه المواطن؟


Create Account



Log In Your Account