حين يصبح الحدث الجسيم اختبارا لهيبة الدولة
الثلاثاء 14 يوليو ,2026 الساعة: 09:14 مساءً



إن توالي الأحداث والتصعيد الإجرامي الخطير الذي تتعرض له اليمن أرضا وإنسانا من قبل الفرس الجدد وذراعهم الكهنوتي في اليمن يكشف عن تساوق وتناغم في إدارة الحدث بما يخدم أهدافه السياسية والعسكرية والإعلامية والنفسية في خطاب متكامل تتناغم فيه الرسائل زمانا ومكانا

وفي زمن الحروب لا تقاس قوة الدول بما تمتلكه من أدوات عسكرية فحسب بل بقدرتها على إدارة الحدث وصناعة الرسالة واستثمار اللحظة وتحويل التحديات إلى فرص تعزز موقفها السياسي والعسكري والإعلامي ...الخ 

ومن يقرأ ما حدث ويحدث بعمق يدرك أن ما يصدر عن كبار رموز الدولة الشرعية سياسيا وعسكريا وإعلاميا وبالذات إعلاميا 
يجب أن يرتقي إلى مستوى الحدث وأن يعكس جسامة المرحلة لا أن يبدو وكأنه مجرد تصريحات صحفية أو بيانات روتينية لا تعبر عن حجم التحدي الذي تفرضه إيران المارقة ومشروعها في اليمن الكهنوت مليشيا الخوثي .

فهذه ليست حربا تقليدية فحسب بل مشروع يقوم على الحقد والسلالة والطائفة
واجتثاث اليمن عقيدة وأرضا وحضارةً ومحاولة كسر الإرادة الوطنية والجمعية حتى ليبدو لسان حال قيادة الكهنوت في إيران واليمن أنتم ملكنا وحقنا !

نحن نتفهم أن للشرعبة اليمنية حساباتها السياسية والدبلوماسية وأن إدارة الملفات السيادية لا تبنى على ردود الأفعال المتسرعة .

لكن الحكمة شيء وإضاعة الفرص شيء آخر فلا ينبغي أن تتحول الحكمة إلى رخاوة ولا أن يفهم ضبط النفس على أنه عجز عن صناعة موقف يوازي حجم الجريمة المرتكبة.

ولعل ما جرى بشأن هبوط الطائرة الإيرانية في المرة الأولى في مطار صنعاء رغم التحذيرات الرسمية يفتح الباب أمام قراءة أعمق لطبيعة الصراع ورسائل أطرافه
ففي المرة الأولى كان الهبوط تحديا مباشرا للإرادة الرسمية والسيادة اليمنية ورآه كثيرون رسالة سياسية قبل أن يكون مجرد رحلة جوية

ثم جاء تصريح الإعلامي التابع للمليشيا عامر عقب عودة الطائرة إلى طهران سالمة بقوله لقد نفذنا عملية فدائية بسلام ليكشف بوضوح كيف قرأت المليشيا ذلك الحدث وكيف سعت إلى تقديمه للرأي العام باعتباره انتصارا سياسيا ومعنويا وعسكريا.
بل ونفسيا كبطولة .

واليوم يتكرر المشهد ذاته فتهبط نفس الطائرة الإيرانية مرة أخرى في مطار الحديدة ثم تغادر إلى طهران بسلام .

 بينما يبقى الخطاب الرسمي للشرعية محصورا في الإطار السياسي والدبلوماسي والعسكري المتردد لاالحاسم دون أن يرتقي إلى مستوى الرسائل التي يحملها الحدث..

ولا أحد يدعو إلى استهداف طائرة قد يكون على متنها مدنيون أو أبرياء تستخدمهم المليشيا دروعا بشرية فذلك ترفضه القيم كما ترفضه القوانين وإنما الحديث عن مستوى الفعل السياسي والإعلامي والعسكري ...الخ الذي يجب أن يوازي حجم الانتهاك والإجرام وأن يحول هذا الحدث إلى فرصة استراتيجية تعزز موقف الشرعية اليمنية في معركة استعادة الدولة والانعتاق من قبضة المليشيا الإرهابية الكهنوتية الظلامية .

 ولذلك ما يزال الوقت يسمح بأن يتحول هذا الحدث إلى نقطة انطلاق لتحرك سياسي وإعلامي وقانوني وحقوقي وعسكري ومدني واسع يستثمر حالة الإجماع اليمني والعربي والإقليمي والدولي تجاه المليشيا وتجريمها واجتثاثها تماما
 لا أن ينتهي كما انتهت أحداث جسيمة حدثت سابقا من بينها الهجوم الصاروخي الحوثي على طائرة اليمنية التي كانت تقل وفد الحكومة اليمنية في مطار عدن الدولي في الثلاثين من ديسمبر عام 2020م والذي أودى بحياة العشرات من الأبرياء بين قتيل وجريح..

إن إدارة الحروب ليست ردود أفعال وإنما حسن إعداد واستثمار للفرص فالسياسة تحتاج إلى إعداد والإعلام يحتاج إلى إعداد والعمل العسكري يحتاج إلى إعداد متكامل كما أن بناء السردية الوطنية بأحكام وتناسق وتناغم لا يقل أهمية عن إدارة الميدان نفسه

وإذا كانت إيران تمضي في إرسال رسائلها الإجرامية عبر هذه التحركات وإذا كانت المليشيا تواصل التعبئة والاستنفار ودعم الجبهات وإذا كانت خطابات الكهنوت عبدالملك الخوثي تحمل لغة تصعيدية وإعلان حرب تجاه اليمن والمملكة العربية السعودية فإن من حق اليمنيين أن ينتظروا خطابا سياديا يوازي هذه التطورات ويؤكد أن الدولة تدير المشهد بثقة وإرادة ورؤية واضحة وأنها كما تحسن إدارة السياسة والسلام فإنها تحسن كذلك إدارة الحرب وفق حسن الإعداد وانتهاز الفرص لأن الفرصة هي جوهر القيادة الناجحة متى أحسن التقاطها في الوقت المناسب

لقد أنهكت الحرب اليمن لأكثر من 12 عاما واستنزفت الإنسان والدولة والاقتصاد. الصحة والتعليم ...الخ وتركت ملايين اليمنيين بلا أعمال ولا رواتب ولا خدمات وخلفت آثارا نفسية واجتماعية عميقة لدرجة دعوة عدد من الأكاديميين والمختصين نفسيا إلى اعتماد العلاج النفسي للصدمات جزءا من إستراتيجية وطنية للتعافي للإنسان اليمني المقهور والمهدور

ختاما 
 يبقى الرهان على الدولة لأنها مهما ضعفت تظل الإطار الجامع الذي يحفظ الوطن ويصون مستقبله أما الفوضى والضعف والفساد فلا يُنتج إلا مزيدا من الفوضى والوهن والإحتياج إلى مُخلص .

قد نختلف في وسائل إدارة المرحلة وقد تتباين التقديرات السياسية لكننا نتفق جميعا على أن حماية سيادة اليمن واستعادة الدولة وحسن الإعداد لكل مراحل السلم والحرب سياسيا وعسكريا وإعلاميا مسؤولية لا تحتمل التردد ولا تقبل أنصاف المواقف.

وفي الختام أكرر ما قلته منذ البداية نحن مع الدولة الشرعية ولو كانت رمادا.
والوطن عزيز ولو كان رصيفا في شارع.


Create Account



Log In Your Account