عندما يبتلع اللون الأخضر الإنسان
الجمعة 28 أُغسطس ,2026 الساعة: 05:30 مساءً

في كل عام، مع اقتراب ذكرى المولد النبوي، تكتسي المدن الخاضعة لسيطرة الحوثيين بحلّة خضراء طاغية،  تمتد على الجدران والواجهات والشوارع والسيارات والمدارس والمتاجر، حتى تكاد المدينة تتحول إلى مشهد بصري واحد لا يعرف لوناً سواه، قد يبدو الأمر للوهلة الأولى زينةَ مناسبةٍ دينية، لكن الحقيقة تتجاوز ذلك بكثير.

فحين يُفرض اللون على المجال العام، يتحول من مجرد لون إلى رسالة،  تكررها السلطة في كل شارع ومؤسسة ومدرسة، تتحول بدورها إلى أداة لإعادة تشكيل الفضاء العام وفق الصورة التي تريدها الجماعة، ليست المشكلة في الأخضر ذاته، فاليمنيون أحرار في الاحتفاء به، بل في تحويله من اختيار شخصي إلى علامة حضور وولاء.

ففي صنعاء وذمار وإب وصعدة، لا يقتصر المشهد على فعالية هنا أو هناك. ثمة تعبئة بصرية شاملة، طلاء ولافتات وملصقات وإضاءات ولوحات عملاقة، تمتد إلى المدارس والمرافق الحكومية والمحلات والطرقات،  وهكذا يجد المواطن نفسه محاصراً برسالة واحدة أينما التفت، الشارع يقولها، والجدار يرددها، والمدرسة تعيد إنتاجها، والمؤسسة تثبتها،  إنها طريقة لاحتلال المجال العام بالرمز، فالسلطة التي تُخضع مدناً كاملة للون واحد، قادرة على جعل حضورها يبدو طبيعياً في تفاصيل الحياة اليومية.

وهنا تكمن النقطة الجوهرية،  لا تحتاج مليشيات الحوثي إلى القول المباشر نحن هنا، يكفي أن يستيقظ المواطن فيرى العلامة أمامه في الشارع، ثم في مقر عمله، ثم في مدرسة أبنائه، ثم في حيّه، عندها يصبح الرمز جزءاً من المشهد المعتاد، فيصبح الاعتراض عليه مع الوقت أصعب، لا لأنه اعتراض على احتفال، بل لأنه اعتراض على صورة نمطية كاملة تفرضها السلطة على المكان.

ويتداخل ذلك مع شبكات الرقابة الاجتماعية،  فالمشرفون وعناصر المليشيا يتابعون بدقة مستوى المشاركة في الأحياء والمؤسسات، من يضع اللافته ومن يهملها، من يحضر الفعاليات ومن يتغيب عنها، يتحول الرمز إلى اختبار غير معلن للولاء، لا مجرد تعبير عن قناعة دينية، ولا يمكن فصل اللون عن منظومة التعبئة الأوسع، فاللون جزء، والشعارات جزء، والفعاليات جزء، والخطاب الديني المسيّس جزء، وفي النهاية تتشكل أمام المواطن بيئة كاملة تقول له بصوت واحد، هذه هي الهوية التي يجب أن تراها، وهذه هي الجماعة التي يجب أن تحضر في حياتك.

ان المشكلة تتعمق أكثر حين يُقحم الدين في المعادلة، فالمولد النبوي مناسبة دينية أصيلة، لكن المليشيات تمنحها حمولة سياسية كثيفة، وتربطها بتاريخ الجماعة وقيادتها ونسبها وخطابها عن الاصطفاء والحق في القيادة،  وهنا مكمن الخلاف، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يترك مشروع حكم يقوم على لون أو سلالة أو امتياز عائلي، والدين الذي جاء بالعدل والرحمة أرفع من أن يتحول إلى أداة لفرض الولاء السياسي.

لكن مليشيات الحوثي تقدم المناسبة ضمن خطاب يتجاوز الاحتفال إلى إعادة تعريف من يملك حق تمثيل الدين والحديث باسمه،  وحين يتحول الرمز الديني إلى أداة سلطة، يصبح الاعتراض عليه بمثابة اعتراض على الدين نفسه، وهذه من أخطر نتائج تسييس المقدسات،  فالمواطن الذي يقول لا أريد المشاركة لا يُعامل كصاحب رأي مختلف، بل كخارج عن الجماعة أو معادٍ لها،  وهكذا تضيق المسافة بين التدين والولاء السياسي، وهي مسافة يجب أن تبقى واسعة في أي مجتمع يريد حماية الدين من الاستغلال وحماية المواطن من الإكراه.

إن المفارقة الأقسى حين نقارن هذا الاستعراض بالحياة اليومية، ما قيمة كل هذه الألوان لأسرة لا تقدر على شراء الطعام؟ ماذا يعني شارع أخضر بالكامل بينما رب الأسرة عاجز عن تدبير ثمن الخبز؟ ما معنى الإضاءات لأم تبحث عن ثمن حليب طفلها؟ وماذا تعني اللافتات لمريض لا يجد ثمن دوائه؟ هنا ينكشف التناقض الصارخ، السلطة تنفق على الصورة، والمواطن يدفع ثمن الواقع، والأخضر الذي يملأ الشوارع لا يقدر على إخفاء اللون الحقيقي للحياة،  لون الفقر والبطالة والخوف والمرض والانتظار.

وعندما يصل بنا الأمر إلى مسألة التكلفة،  حين يُطلب من صاحب متجر المساهمة، أو تُضغط مؤسسة للمشاركة، أو يصبح عدم تعليق الزينة موضع ملاحظة، يتحول الاحتفال إلى عبء اقتصادي في مجتمع منهك أصلاً، التاجر لديه بضاعة راكدة، والمواطن دخله ضعيف، والموظف ينتظر راتبه، والشاب يبحث عن عمل، والأسرة تقلص مصروفها للحد الأدنى،  ثم يأتي موسم جديد من الإنفاق على الطلاء والإضاءة واللافتات، من يدفع في النهاية؟ المواطن، مباشرة عبر مساهمات وطلبات مالية، أو غير مباشرة حين يرفع التاجر أسعاره لتعويض خسائره، والموظف عندما يتأخر راتبة، وفي كل الحالات يقع العبء على المواطن لتزيد معاناتة.

إن قصة اللون الأخضر ليست قصة لون وحسب، بل قصة علاقة بين السلطة والمجال العام، بين الرمز والولاء، بين الدين والسياسة، وبين الاحتفال والفقر، والأخطر أن هذه العملية تحدث في بيئة يعيش فيها جيل كامل تحت ضغط التعبئة العقائدية،  فالمدرسة لم تعد مكاناً للتعليم فقط، والفعالية لم تعد مناسبة فقط، والخطاب الديني لم يعد منفصلاً عن الرسالة السياسية،  وحين تتكرر هذه الرسائل أمام الطفل والشاب عاماً بعد عام، يتعلم أن الانتماء يقاس بالمظاهر، وأن الحضور العام مشروط بالالتزام برموز محددة، وأن النقاش مغلق لأن أي نقد قد يُفسر هجوماً على المقدس.
لذلك، حين أرى صنعاء مغطاة بالأخضر، لا أتوقف عند جمال المشهد،  أسأل عما خلفه، عن البيت الذي لا يملك ثمن الخبز، عن الموظف الذي ينتظر راتبه، عن الشاب الذي ينتظر وظيفة، عن الطفل الذي ينتظر دواءً، وعن الأسرة التي تنتظر عودة ابن خرج إلى الجبهة ولم يعد،  عندها يتغير معنى اللون تماماً،  فاللون الذي يفترض أن يرمز إلى الفرح لا يستطيع أن يكون بديلاً عن الحياة، واللافتة مهما ارتفعت لا تستطيع حجب الجوع، والمدينة مهما تلألأت بالأخضر لا تستطيع إخفاء الحقيقة إلى الأبد، فحين يصبح اللون أهم من الإنسان، لا يعود الاحتفال تعبيراً عن الفرح، بل صورة لسلطة تخشى أن يراها الناس من دون زينتها.


Create Account



Log In Your Account