من مقبرة شيخ الدويل إلى جمر الحرب (طقوس العبور)
الخميس 17 سبتمبر ,2026 الساعة: 03:22 مساءً


مَعِيْ جَذْبةْ بقلبي والدّمَندمْ،
وَبي مَكْريبْ يَلهب لهابه،
وَوسْطة قشْقَشة بيرقْ ومهزم،
وبحرْ الله مٍن كأسْ اهترابه.  

(القمندان غفر الله له)

في اليمن أنت سوى مسافر يمرّ بالنيرانِ ثم يعود إليها، في لحظة عبور شفيفة بين العدم والخلود. وهو ممرّ سريّ تجتازه الحضارات وتتناوشه، وتصبح الرحلة عندك هي الحق الوحيد. الأصل الذي يعبر/ يبحث عن أصله.

إنه عبور برزخي، وكلنا عابرون في حياة بأكملها متتالية من العبور: من العدم إلى الوجود، ومن الجهل إلى الوعي، ومن الجنوب إلى الشمال، ومن الحياة إلى الموت. الثبات فيها وهم، والمستقر الوحيد هو التغير نفسه، حتى "عشعش تعيش" يعبر دوما كل ليلة، لكنه يعبر إلى الأرض لأنه غير مؤمن بالسماء.

وأول ما يطالعك من هذا العبور مشهد عالق في الذاكرة: مقبرة شيخ الدويل في عدن، حيث يدفنون الأحياء ليعيدوهم إلى الحياة. هناك يُؤخذ الأطفال والمرضى وهم بعد على قيد الحياة أو في آخر رمق منها، فيُدفنون، ثم يُخرجون من القبر، ويُغسلون، وتُنزع عنهم ملابسهم القديمة فتُرمى مبعثرة بين القبور كأنّها نجاسة عالقة بالجسد، ويُلبسون ثيابا جديدة ثم يعودون إلى الدنيا كأنهم وُلدوا من جديد. ليست هذه الطقوس حدادا، إنما إجراء سريعا من إجراءات العبور: ادفن، أخرج، اغسل، انزع، ارمِ، البس. كأن الحياة كلها كانت زيارة مؤقتة، وكأن الثياب القديمة عبء يجب التخلص منه قبل العبور الى الحياة الجديدة. في تلك المقبرة ترى كيف يصبح الحي ميتا قبل أن يموت، وكيف يصبح الميت عابر يعود إلى الحياة من جديد.

هذه الصورة ليست استثناء يمنيا، بل امتداد لتاريخ طويل في الجزيرة العربية. قبل الإسلام كانت طقوس العبور تنظم حياة القبيلة كما تنظم الأنهار مجاريها. النقوش اللحيانية والثمودية والسبئية تروي حجا جماعيا وتضحيات وختانا كان يُجرى أحيانا عند الزواج اختبارا للرجولة، وزواجا تتعدد صوره، وموتا ترافقه الناقة المعقولة لترافق الميت في رحلته الأخيرة.

والشعر الجاهلي نفسه، في قالبه الثلاثي من طلل ورحلة ومديح، ليس إلا تمثيلا أدبيا لطقس العبور. جاء الإسلام فهذّب هذه الطقوس: الأذان في أذن المولود، والتحنيك، والعقيقة، والختان طهارة، والنكاح ميثاقا، والغسل والدفن جسرا إلى البرزخ. لكن الروح القديمة بقيت، خاصة في بلادي اليمن.

في لحج كان (المكريب) أكثر أناقة. في مساء اليوم الرابع من زيارة سفيان يُجمع الحطب حتى يصير جمرا، فيمشي عليه المجاذيب ويتمرغون فيه، ثم يقومون كأن لم يمسسهم سوء!!

الفيزياء تفسر الظاهرة: سعة حرارية منخفضة، زمن تلامس قصير، رماد عازل. لا معجزة، فقط ديناميكا حرارية. لكن الناس كانوا يحتاجون إلى المعجزة أكثر مما يحتاجون إلى الحقيقة. كانوا يحوّلون الألم إلى طقس، والخطر إلى بركة، والعبور إلى هوية. ثم جاءت التسعينات وهُدمت الأضرحة، فانتهى المهرجان، وبقي الرماد في الذاكرة فقط.

واليوم تعيد الحرب الدائرة تمثيل الطقس على نطاق الأمة كلها. الحوثيون يتقدمون نحو باب المندب ويستولون على المخا وجزر حنيش، والقوات الحكومية ترد، والسعودية تقصف، والصواريخ تعبر الحدود ذهاب إياب. آلاف يُنقلون من منزل إلى خيمة، من حيّ إلى مقبرة، من حياة إلى برزخ دائم. الحرب هنا ليست حدثا استثنائيا، بل طقس عبور جماعي لا ينتهي: انفصال مستمر، عتبة من نار، وإعادة اندماج مؤجلة إلى أجل غير مسمى. لا أحد يخرج مطهّرا؛ الجميع يتمرغ في الجمر ويظل يحترق ببطء.

عبرت من الجنوب إلى الشمال، ومن الشمال إلى خارج الحدود، ثم عدت، ثم خرجت. في كل مرة كنت أظن أنني أنفصل عن وضع قديم، وأدخل عتبة (ليمينية)، ثم أندمج في وضع جديد زائف.

العبور في هذه الأرض مهنة دائمة. أنت لست مسافرا يعبر النيران ويعود؛ أنت النيران نفسها. جواز السفر ورقة رسمية، أما جواز البرزخ فهو الذي لا يُستخرج إلا بعد أن تترك كل أمتعتك عند بوابات التفتيش: الألقاب، الأوهام، وحتى ملابس الموتى التي رُميت في مقبرة شيخ الدويل.

لفظة (ع ب ر) في لغتنا تجمع الدمعة والموعظة والانتقال. كأن اللغة نفسها تعترف بأننا لا نملك إلا أن نعبر، وأن الثبات وهم، وأن المستقر الوحيد هو التغير نفسه. التاريخ ساخر؛ من اتخذ العبور مهنة بنى أسوارا ليمنع الآخرين. ونحن نجمع العقارات والألقاب ظنا بالخلود، ثم نكتشف أن رسوم الجسر الأخير تُدفع بتخفيف الأحمال فقط.

فابتسم أيها العابر اليماني، واترك خلفك زهرة، حتى يقول من يأتي بعدك: "من هنا مرّ عابر جميل... ولم يبنِ سورا، ولم يُشعل جمرا جديدا".

 


Create Account



Log In Your Account