بالنسبة لفرويد فهذا النوع من البشر غير مكتمل النضج، تحديداً لم تكتمل عناصر الاختيار الحرّ لديه، لذا يفضل على الدوام أن يتحرر من أزمته ليصبح مملوكاً لفكرة أخرى كلية وأناس آخرين. فقد ظهر بعض الإرهابيين الأوروبيين وهم يتحدثون عبر فيديوهات مصوّرة "تعالوا، جاهدوا معنا، الجهاد يعالج الاكتئاب". لقد سلموا أنفسهم كلّياً لفكرة قاسية وحاكمة، واندمجوا معها حتى إنهم مزقوا جوزات سفرهم.
الحياة العلمانية الديموقراطية توفّر للكائن الفرصة الشاملة لأن يصبح كائناً كلي القدرة. تعطيه الحيّز الشامل، والحوافز الكاملة، لأن يطلق قدراته كلّها. بما في ذلك أن يكون متديناً ورعاً. وهو أمر مختلف كلّياً عن الحياة ضمن النسق الأرثوذوكسي، ضمن الصرامة الدينية، في إطار "الأخ الأكبر يراقبك".
في الحالة الثانية ينمو بداخلك الرقيب، ثم تنتكس ككائن لتصبح مع الأيام عضواً في جمهورية خوف يحدها الإله من كل جوانبها. تتجلى الفكرة على نحو حاسم عندما نتذكر الجهادي الأردني الشهير وهو يندب أيامه السعيدة في إنغلترا بمزيد من الألم بعد أن يلقى به في سجون الأردن. قال أبو حمزة "كنتُ حرّاً في بريطانيا، كنتُ حرّاً". كانت انغلترا تجري نقاشاً شاملاً ومستفيضاً في كل مرّة تفكّر باستجوابه، وهو ما افتقده في بلده الأم.
| أصعب خصوم طريق الخلاص ليس عبد الملك الحوثي وربيع بن هادي المدخلي وحسب، بل أولئك الذين تهدف تلك الحياة إلى تحريرهم. إنهم الهاربون من الحرية |
في "أخلاقيات الرأسمالية" تذكّر توم بالمر تلك الدراسة المثيرة التي أجريت على مصطلح "الرأسمالية" والتي توصلت إلى أن المصطلح كان سيء السمعة على نحو لا يصدق في القرنين الثاني والثالث عشر. وإن ذلك كان عائداً إلى المضامين الأخلاقية والاجتماعية لكلمة الرأسمالية آنئذٍ. وفيما يبدو فإن الأمر يبدو، عربياً، شبيهاً بمصطلح الحياة العلمانية. فإذا كان السلفيون والإخوان تعاملوا مع المصطلح بسطحية معتبرين العلمانية نظيراً للإمبريالية والحرب الصليبية، كما في مورثهم الأدبي، فإن الأمر أخذ منحى أكثر تعقيداً مع عبد الوهاب المسيري، أحد أهم المفكّرين العرب في القرن الماضي.
كان بن باز يعتقد أن العلمانية تتمثل في الجينز ذلك أنه يفقد الفرد المسلم هويته ويماهيه بالآخر الكافر، طبقاً لبن باز. مر المسيري بالجينز كعلامة أيضاً وأخذ فكرة بن باز بعيداً. إذ بالنسبة للمسيري فالجينز مجرد حلقة في "متتالية بنيوية للعلمانية". بين هاتين الفكرتين سقطت العلمانية في حقبة سوء السمعة. أما أكثر ملامحها سوءً فقد تمثل في الديكتاتورية العربية التي أسسها نظام يوليو 1952، فقد خلقت تك الديكتاتوريات حياة علمانية متوحّشة بدلاً عن أن تطلق الكائن من خوفه فإنها ذهبت تخلق جمهوريات خوف قوّضت الكائن كلّياً.
نهضت الحروب الدينية حالياً بكل وحشيتها. أصبح لدينا عشرات الإسلامات، كل إسلام منها قاتل ومقتول. في هذه الأزمة المركبة يبدو الخروج من هذا الجنون عبر حياة علمانية ديموقراطية تميز الطريق بين الله والقيصر وتمنح الحق الكامل في العيش للكائن في كل تمظهراته، على أن تنزع منه الحق في أن يصدر أوامره الفوقية إلى أي مزيد من البشر.
تلك الحياة الفائقة الجديدة التي يموت العرب والمسلمون في البحار والمحيطات بحثاً عنها باعتبارها حلم الأحلام، والاختيار المقدّس، والخلاص الإلهي النبيل، هي الطريق. وهي، كما نعلم، صعبة المنال، وعصية لأن أصعب خصومها ليس عبد الملك الحوثي وربيع بن هادي المدخلي وحسب، بل أولئك الذين تهدف تلك الحياة إلى تحريرهم. وهم الذين تحدث عنهم إيريك فروم وفرويد في ثلاثينيات القرن المنصرم: الهاربون من الحرّية.