شاع اليوم بين مستخدمي وسائل التواصل الإجتماعي منشور، إحتوى بين سطوره إشاعة مغرضة كلها إفك وبهتان، يحذر فيه كاتب المنشور من كارثه سيقدم عليها البنك المركزي تطال كل يمني ... الخ من الكلام الممجوج الذي لا تسنده أي أسانيد.. في الحقيقه، ماجاء في المنشور دفعني إللى الكتابة حول حقائق الأمور، بما كان عليه أداء البنك المركزي وبما أضحى عليه. لأن الكلام الذي يطلق على عواهنه لا يبني ولا يساعد في البناء، بل يثير البلبلة ويسهم في تدمير ما تم إصلاحه فتعالوا بنا الى رصد الوقائع كما هي لنسهم في البناءوننصف الناس ولا نبخسهم أشياءهم : بلغت آثار الحرب وتداعياتها مبلغها، بعد أن طالت وبعمق كل مناحي الحياة المعيشية للسكان، باﻹضافة الى ما تركته من آثار مدمرة على الأوضاع الإقتصاديه التي كانت نذر إنهيارها ماثلة للعيان. تجلى ذلك في تراجع أداء أهم مؤشرات الإقتصاد الكلي بصورة مخيفه، حيث قدر الإنكماش التراكمي في الناتج المحلي الإجمالي بحوالي 47.1 بالمئه خلال الثلاث سنوات الماضية. ويتوقع أن تصل الخسائر في الناتج، منذ بدء الحرب وحتى الأشهر الأولى من عام2019، إلى 49.9 مليار دولار. كما أنهارت الموازنة العامة بعد أن تراجعت الإيرادات الحكوميه بأكثر من 60.6 بالمئه، بسبب توقف مصادر تغذيتهاالخارجية، ناهيك عن ضعف مقدرة أجهزة الدولة الجبائية من حشد وتوريد الإيرادات المحلية الى حسابات الحكومة في البنك المركزي، الأمر الذي تسبب ببروز أزمة مرتبات طالت كل موظفي الحكومة في المحافظات الشماليه والمتقاعدين في كل اليمن. ترافق الإنهيار في أداء مؤشرات الإقتصاد الكلي، مع ظهور أزمة حادة في شحة السيولة وإضطراب الدورة النقدية وإنخفاض المعروض من النقد الأجنبي في السوق في ظل إرتفاع الطلب عليه، بعد أن تخلى البنك المركزي عن اتباع نظام الصرف المعوم المدار والإعلان عن إتباع نظام الصرف الحر، الأمر الذي تسبب في إرتفاع سعر صرف الريال (إنخفاض قيمته ) أمام العملات الأجنبيه. وكان من الطبيعي أن يقود ذلك الى حدوث ارتفاعات متتالية ومتسارعة لمعدلات التضخم وإضعاف القيمة الشرائية للريال. ظلت مظاهر الأزمة المالية والنقدية ( أزمة الغذاء ، أزمة المرتبات ، أزمة سعر الصرف وشحة السيوله.... الخ ) تتفاقم، وبلغت حدتها مستوى عجزت معه كل الإجراءات التي أتخذت حينها (2017) ،بصورة انتقائية، من التخفيف من آثارها لأنها لم تكن بحجم الأزمة، مما تسبب في المحصلة النهائية ببروز وضع إنساني كارثي، أقلق المجتمع الدولي ومنظماته. في الأشهر الأولى من عام 2018 ، بعد أن أضحت الأزمه النقديه بكل تجلياتها تعصف بالبلاد، أخذت القيادة العليا في البنك المركزي تعيد ترتيب أولوياتها لمجابهة كافة التحديات المنتصبة أمامها، بتفكير أستراتيجي يمكنها من إستعادة زمام المبادرة، وليس بأسلوب الفعل ورد الفعل الذي عمق من الأزمة سابقا (2017 ) ، واضعة أمامها مجموعة من الأولويات، تكاد تكون من أهمها وأبرزها على الإطلاق الأولويات الثلاث الآتيه : - العمل على تأمين ما يلزم من موارد النقد الأجنبي، لتغطية إستيراد السلع الغذائية الأساسيه التي تجنب البلاد الوقوع في براثن المجاعة، وفي نفس الوقت تخفف الضغط في سوق الصرافة من الطلب على النقد الأجنبي. - الحد من تدهور سعر صرف الريال اليمني والعمل على تحسين قيمتة الخارجية ( سعر صرفه أمام العملات الأجنبيه )، بما يساعد في خفض معدلات التضخم وكبح جماحه. - حل مشكلة شحة السيولة وإعادة الدورة النقدية إلى مسارها الطبيعي( النظام المصرفي ). وبغية الوصول إلى تحقيق الأهداف المرجوة من الأولويات الموضوعة، اتخذت القيادة العليا للبنك المركزي أكثر من 40 إجراء، توزعت بين إجراءات نقدية، إجراءات تنظيمية وإدارية وإجراءات فنية. وكان من أهمها الإجراءات الآتية : - تم إتخاذ كل مايلزم من إجراءات متعلقة بتأمين النقد الأجنبي لأغراض استيراد السلع الغذائيه الخمس. وتركزت الجهود المبذولة في هذا الإطار في ضمان وضع الوديعة السعودية المقدرة ب 2 مليار دولار بالبنك المركزي اليمني، بغية تمكينه من إستخدام أدواته النقدية، إضافة إلى توفير المواد والسلع الغذائية الأساسيه (5 سلع) بطرق سهلة وأسعار مناسبة في جميع المحافظات اليمنية. - توفير 200 مليون دولار أخرى كمنحه من المملكة، يستخدم جزء منها لتغطية استيراد بعض الأدوية والسلع الضرورية الأخرى، وذلك لتخفيف الضغط على الطلب على الدولار في سوق الصرافة، ناهيك عن منحة أخرى تمثلت بتوفير المشتقات النفطية لمحطات الكهرباء بما قيمته 60 مليون دولار شهريا. - تمكن البنك المركزي من خلال الإجراءات التي اتخذها في جانب تحسين إدارة السيولة المصرفية، من تأمين السيولة الكافية لحاجة النشاط الإقتصادي دون اللجوء الى اتباع أسلوب النقود الرخيصة ( الإصدار النقدي ) الذي ترتب عليه عند استخدامه في الفترات السابقة كلفة باهظة على الإقتصاد، تجلت بتوليد ضغوط تضخمية حادة. كما قام بإلغاء اتفاقيتين سابقةمع شركه روسية وشركة ألمانية لطباعة النقود، والإكتفاء بما تم طباعته في عام 2017 ، مع التركيز على رفع كفاءة إدارة السيولة في الجهاز المصرفي ( البنك المركزي + البنوك العامله ). - قام البنك المركزي بتحريك سعر الفائدة وعوائد الإستثمار في الأوراق الماليه المصدرة من قبله، نيابة عن وزارة المالية لتأمين الموارد اللازمة، لتمويل عجز الموازنة العامة من مصادر غير تضخمية، وفي ذات الوقت بغية سحب السيولة المكتنزه ( خارج البنوك) التي كانت تستخدم لأغراض المضاربة، وساهمت في تغذية العوامل المضاربية في سوق الصرافة. وبهذا الصدد، أعاد البنك المركزي إصدار شهادات الإيداع التي كان قد أوقف التعامل بها في السنوات الماضية، مع تحفيز البنوك على الإستثمار فيها، برفع سعر الفائدة عليها الى 27 بالمئة. وكذلك أدخل إدراة استثمار مالي جديدة ( ودائع الوكالة ) بربح يصل الى 23 بالمئة، أستهدف بها البنوك الاسلامية، كما رفع سعرالفائدة على السندات الحكومية الى 17 بالمئة. يمكن القول إن الإجراءات المتخذه في هذا الجانب، كانت قد ساهمت في تمكين البنك المركزي من استعادة تصريف وإدارة السيولة في قنواتها وانتظام الدورة النقدية. إلى جانب الإجراءات النقدية التي ساعدت في تحسين القيمة الخارجية ( سعر الصرف ) والداخلية ( القيمة الشرائية) للعملة الوطنية وتحقيق استقرارها النسبي. بالرغم من التقلبات، التي تحدث بسبب المضاربة، اتخذ البنك المركزي عددا من الإجراءات التنظيمية والفنية، التي ،ما من شك، ستؤدي إلى رفع كفاءة الأداء، ناهيك عن الآليات الميسرة الجديدة التي أخذ يتبعها منذ أكثر من شهرين من الآن في فتح وتغطية الإعتمادات المستندية لاستيراد المواد الغذائيه الرئيسية، واستيراد المشتقات النفطية. فلماذا نجافي الحقيقة حين نكتب ؟ ولمصلحة من تنشر الإشاعات التي تعمل على إرباك أداء السوق النقدي، بعد أن بدأت تتفعل أدواته؟! في الوقت الذي أضحت فيه الحقائق ماثلة للعيان، يحق لنا القول بأن البنك المركزي اليمني ولد من جديد، ليستنهض الهمم ويضطلع بدوره كسلطة نقدية تضع نصب عينيها هدف استقرار الأسعار والحفاظ عليه، دون الإنتقاص من وظائفه كبنك للدولة ومستشارها المالي، وبنك للبنوك وملجأها الأخير 6 يونيو 2019 * أستاذ الإقتصاد بجامعة عدن