مؤشرات إنقسام الإصلاح
الإثنين 05 أُغسطس ,2019 الساعة: 10:40 مساءً

في برنامج التحالف الوطني للأحزاب الذي نشره محمد اليدومي رئيس الهيئة العليا للإصلاح على مدى أيام، كانت الفكرة الرئيسية لهذا التحالف ينصب على تقاسم وظائف الدولة الوهمية والمفقودة والعمل على إصلاحها بما يناسب التطلعات الشرهة لهذه الأحزاب بتلك المناصب.

ولهذا يوجد في الحكومة المنفية في أصقاع الأرض عدا اليمن قرابة أربعين وزيرا ومئات الوكلاء، وهو انعكاس لنظرة الأحزاب اليمنية تجاه الدولة.

كثير من مسؤولي الدولة ينتمون إلى حزب الإصلاح، وكوادره الجديدة وبعضها قديمة نسبيا، وهو أمر يمكن أن يكون مدخلا لدراسة واقع حزب الإصلاح وانقساماته الخطيرة، باعتبارها أحد المؤشرات على انتقال الإصلاح من "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت" إلى تلبية مطامع لوبي المناصب داخل الحزب.

شيئا فشيئا ينتقل الإصلاح إلى نسخة متطورة من أحزاب السلطة العربية ويتخلى بشكل سريع عن طبيعته التي نشأ عليها وأفكاره الناظمة له.
وبدأت ملامح الانقسام واضحة وجلية في الحزب بين لوبي المناصب العامة والخاصة فيه وبين القاعدة الشعبية التي تبتعد أكثر من أي وقت مضى عن بنية الحزب ومؤسساته المعطلة من قبل الفريق المتنفذ.

لم يكن ذهاب الإصلاح نحو الانقسام وليد اللحظة بل كان متراكما على مدى عقدي الجمهورية اليمنية نتيجة الانتهازية التي تبناها الحزب خارج منظومة القيم الأساسية. وكانت في استقطاب رؤوس المال ومشايخ القبائل للاحتماء بهم وحمايتهم والتجارة واعتقد الإصلاح أن الهدف الأساسي من هذه العلاقة غير الطبيعية بإمكانها إعادة صياغة هؤلاء الأغنياء على نموذجه الخاص لكن التجربة أثبتت أن هؤلاء الأقوياء من الطبقة القوية والغنية أعادت صياغة الحزب أو المؤسسات الرئيسية فيه على طريقتها.
ولم تأت أحداث سبتمبر والحرب العالمية على الإرهاب والحركات الإسلامية إلا وقد نضجت شروط تحول الإصلاح نحو مسلك آخر.
وخوفا من تهم الإرهاب وعوامل أخرى بالغ الإصلاح في الاندفاع نحو الرأسمالية أو لنقل بصراحة نحو الانتهازية باسم الواقعية وبدأت منظومته القيمية بالانهيار.

فتخلى ابتداءا عن أساس قوته وهي القيم الدينية بسبب الخوف من تهم الإرهاب -كما ذكرنا سابقا- وبسبب المصالح المترتبة على علاقته بطبقات القوة والمال وتأثره الكبير باللقاء المشترك وربط أعماله ونشاطاته به. وذهب يبحث في السراب عن نقاط قوة جديدة مع أحزاب ضعيفة في كل شيء إلا من المزايدات، وعطل قوة الحزب الاجتماعية في المدن والريف واتجه بدلا منها إلى منظمات الزيف الحقوقية، وبدلا من تعزيز القيم التكافلية والتضامنية الدينية ركز على انتقاء أفراد جدد ممن يناسبون الطبيعة الجديدة للحزب.

وخلال العقد الثاني من عمر الحزب في العلن تغلغلت التوجهات الانتهازية الرخيصة في أروقة مؤسساته الحزبية فاستثمر جهده وماله وتفكيره وسياسته في بناء سلطة تجارية و في توظيف ما يمكن توظيفه لبناء قوة تجارية متجردة من القيم وشاهدنا المدارس الأهلية الخاصة بالأغنياء والجامعات والمعاهد والمؤسسات، ولإن النظام في حينه كان مفصلا مصالح نخبة فاسدة تأثرت به بشدة وارتبطت به مصالح الحزب الجديدة.

وكان الحزب في ٢٠١١ قد تبدلت أولوياته واهتماماته كليا فتعامل مع الثورة الشعبية من هذا المنطلق وارتكزت تحركاته بما يناسب المصالح الجديدة للوبيهات الحزب، وخاب أمل الشارع في المرحلة الانتقالية بأداء الحزب سياسيا وأداء وزراء ومسؤولي الحزب في الحكومة والمؤسسات العامة خصوصا في موضوع مكافحة الفساد وعلاقة الحزب بالديمقراطية.
ومن المهم هنا مثلا أن نذكر فشل وزرائه في بناء مؤسسة واحدة قائمة على النزاهة والفاعلية، كما فشل في خلق نموذج مشرف لأي من مسؤوليه.

في خضم هذه التحولات والتحديات تحركت جحافل الإمامة من صعدة -وبغض النظر عن عوامل التحرك الخارجية للإمامة- فقد وجد الإصلاح نفسه في تخوم عمران وصنعاء وبقية المناطق وحيدا مخذولا من قاعدته الشعبية والاجتماعية والثقافية ولم يجد إلا مرافقي حسين الأحمر في عمران وقلة قليلة من أفراد الحزب وحلفائه في الدولة يواجهون الإمامة فهزموا شر هزيمة.
أما النخبة الجديدة التي هدمت أسس الحزب الفكرية والاجتماعية فقد بررت لهزيمتها بتخلي هادي والدولة عن مسؤوليتهم في حماية البلاد، وذلك تبرير صحيح لكنه غير كاف على الإطلاق، فالحزب كان شريكا أساسيا في تلك الدولة، وبدلا من الاستفاقة من الفشل الذريع وانهيار الدولة وعودة المجتمع ذهبت النخبة الجديدة للحزب لتكييف مصالحها مع الإمامة لولا أن الإمامة لا تقبل شريكا لها على الإطلاق.

ثم انطلقت العاصفة فازداد انقسام الحزب على نحو خطير؛ تحركت لوبيهات الحزب نحو الحليف العربي الغني وانطلقت قاعدة الحزب نحو ميادين القتال والبطولة رغم كل شيء حل بها من قبل، وكانت فرصة مناسبة لمراجعة أداء الحزب وحمايته وحماية البلاد من الضياع لكن الغارقين في الانتهازية ذهبوا في كل اتجاه يملأ جيوبهم ويلبي طموحهم ويستجيب لمصالحهم، مثلا بدلا من العمل على تحرير تعز أهم معاقل الحزب، ركزوا على السيطرة على سراب مؤسسات الدولة وتاجروا بحصارها وحولوها إلى مظلمة تصرخ من الظلم والحصار ولا تقاومه، شكوا قلة السلاح ولم يفكروا بتوفيره، شكوا من إهانة الحوثيين لكرامة الناس فعملوا على رصدها لا على قيادة مقاومة تثأر للكرامة.

وبعد ثلاثين سنة من الواقعية الزائفة والانتكاسة الهائلة  التي بدأت سياسة طارئة ثم تحولت إلى عقيدة راسخة، تلاشت قيم الحزب الدينية القوية مثل الحرية والمساواة والجمهورية وحكم الشعب وتلاشت كثير من مصالحه التجارية ولم يسلم من تهم الإرهاب ولم يقبل به التحالف ولم تعد له قاعدة شعبية قوية ومؤثرة واغتيلت معظم القيادات البارزة في الحرب أو اندمجت في مصالح اللوبيهات، ووجد الحزب نفسه وحيدا إلا من قيادة اطمأنت إلى نعيمها وأسرها في الخليج، وشبكة إعلامية امتلأت جيوبها من صراع الإقليم وليس لها من جهد في مقاومة الإمامة إلا تبني خطاب مظلومية الإصلاح باعتباره آخر رباط لها بين واقعها الجديد وبين الإصلاح، وهو خطاب لا يقوم على مظلومية تستثير المقاومة وتحث على الانتفاضة، وإنما للشكوى وتكريس عقدة المظلومية المدمرة، وجمهور مفسبك يبذل جهده لإثبات مظلومية الحزب ويدافع باستماتة عن انحراف الحزب وتيهه، ومن قاعدة اجتماعية حائرة تنتظر معجزة –لن تأت-تعيد تماسك الحزب.


Create Account



Log In Your Account