بين رواندا واليمن!
الإثنين 12 مارس ,2018 الساعة: 05:24 مساءً

في مطلع التسعينيات، قُتل زُهاء المليون شخص في رواندا، في واحدة من أبشع مجازر التطهير العرقي التي شهدها العالم. كانت الحرب بين أطراف خارجية، لكن وقودها قبائل "الهوتو" و"التوتسي"؛ المزارعون ورعاة الأبقار الروانديون.

كانت الجُثث ملقاة في الشوارع، متعفنة. أتت هذه الحرب كامتداد لسلسلة من الحروب الطائفية للاستئثار بالسلطة، وبالتالي الارتهان لطرف خارجي ما.

بعد ذلك الدمار، وبعد ذلك الطوفان من الموت، والحالة النفسية السيئة التي خلفتها آثار الدماء، وصل الروانديون لقناعة ذاتية عمّت الجميع بلا استثناء " الوطن للجميع." دعوة موحدة للتعايُش وتقبل الآخر، والشروع في بناء "وطن". تركوا الخارج، لأنه لم يجلب لهم سوى البؤس والموت المجاني.

الارتهان للخارج مُدمر، ولا يتوافق بأي حال من الأحوال مع المصلحة الوطنية. الخارج لا يكترث سوى بمصالحه الضيقة، ولا يعير أي اهتمام لحال البلدان التي يُدخلونها كساحات جديدة لصراعاتهم السلطوية.

حاليا، وفي وقت قياسي، تعد حكومة رواندا "التكنوقراط" من أنزه الحكومات في العالم، تحضرُ فيها النساء كشريكات أساسيات في الحياة السياسية. تلاشت البطالة بشكل فظيع، وحقق الاقتصاد أكبر نسبة نمو تحققه دولة في وقت قياسي وظروف استثنائية.

الحالة اليمنية مشابهة، غير أن أعداد القتلى والمعاقين لم يبلغ ذلك العدد المفزع بعد. يستطيع اليمنيون تدارك الموقف وصناعة تعايش جميل عبر نبذ التعصب والتمايز الذي جر البلاد إلى هذا المستنقع الموحل.

في الحقيقة، كان مؤتمر الحوار الوطني حلا مفصلا ومشروع كبير لليمن الجامع، لولا تدخل الأيادي الخارجية الخبيثة التي فضلت خوض حروبها داخل اليمن السعيد عبر مرتزقتها في الداخل، المدفوعين بالشرور والحقد. هاهم اليمنيون يتقاتلون الآن بالوكالة ويتاجرون بمصير الوطن إلى حسابهم الخاص، فيما الأمراض تفتك بالبسطاء، البيوت تدمر، المرتبات منقطعة منذ أكثر من عام، والبلاد ولجت غياهب المجهول.

ما حققه الروانديون عظيما بالنظر إلى حجم الكارثة، فيما المشكلة اليمنية أقل فداحة وربما أكثر جلاءً. لقد أعادوا تقسيم رواندا كأقاليم طبقا الجغرافيا والفئة، وكان هذا أهم أسباب نجاحهم؛ فيما نظام الأقاليم اليمني ومؤتمر الحوار كان دستورا شاملا لليمنيين، الذين فضلوا السير بخطى واثقة نحو الهاوية.


*المقال كتب خاص لـ الحرف28


Create Account



Log In Your Account