انجازات في قمم الجبال .. كيف شق أبناء سامع شبكة طرق بمبادرات ذاتية في زمن الحرب ؟.. (تقرير خاص)
الأربعاء 16 ديسمبر ,2020 الساعة: 04:57 مساءً
توفيق السامعي - الحرف28- خاص

قبل ألفين وخمسين عاماً كانت القيلة نعيم العريقية المعافرية حاكمة مخلاف المعافر تدون إنجازاتها لرص نقيل جبل سامع في الصخر كمدونة ذلك الزمن قبل أن يعرف العرب الورق والكتاب، مدونة بدقة تلك الأعمال لتتخلد بها أبد الدهر، وصار يعرف اليوم بنقش "سربيت سامع".



من قبيل الصدفة، وبعد ألفي عام، تنطلق ذات المبادرة وذات العمل من ذات المكان وذات الاسم لكن لنعيم أخرى حديثة؛ هي القيلة نعيم الحوري، لتنطلق على إثرها مبادرات أخرى لنفس الأعمال في نقل أخرى قريبة من النقيل تمهيداً للطريق وإزالة العثرات والعوائق منه.

قبل عشرة أشهر تقدمت الحجة نعيم الحوري بمبلغ رمزي لتأسيس مبادرة تأهيل ورص نقيل الحصة في مديرية سامع الذي يعد أهم وأخطر النقل في طريق الدمنة – العين الذي يربط شمال المحافظة بجنوبها وشرقها بغربها، بعد أن تحول من طريق فرعي إلى طريق رئيسي بعد حصار المدينة وتقطيع أوصالها منذ منتصف عام 2015، لتنطلق بعد شهر مبادرة أخرى لرص نقيل "محصيص" في ذات الطريق، في منافسة حميمة بين مبادرة النقيلين تصب في صالح الطريق العام والبلاد للمارة والمسافرين، وسبقت المبادرتين مبادرة تعاونية أخرى بعد عام من الحصار هي رص نقيل الخضراء سامع شرق الطريق السابق والتي استخدمها أكثر المسافرين.



كانت المسافة بين الحوبان ومدينة تعز لا تزيد عن عشر دقائق تقطعها السيارات المختلفة ووسائل المواصلات الأخرى، لكن الحصار والحرب أدى إلى سد بوابتها الشرقية والشمالية وتحول السير جنوباً وشرقاً إلى طريقي الأقروض بصبر وسامع عبر طرقها الثلاث الدمنة شريع – المعافر، والدمنة – سامع المواسط، والدمنة – الخضراء بسامع إلى العين.
مثلت طرق سامع، التي شقها المواطنون بأيديهم أيام التعاونيات في عام 1978 من القرن الماضي، صعوبة بالغة ووعورة كبيرة منها ما هو شاهق بطريق ترابي غير معبد شهدت عبر مراحل مختلفة العديد من حوادث السير راح ضحيتها بعض الأرواح من خلال سقوط بعض السيارات من شواهقها العالية، وظلت على الدوام مسألة مؤرقة للمواطنين حتى اعتادوا عليها، لكن الذين لم يألفوا المرور منها كانت لهم عبارة عن مغامرات للوصول إلى وجهتهم بسلام آمنين.

الرئيس السابق والإمامة
في سبتمبر من العام 2006 وقف الرئيس السابق صالح خطيباً في ميدان الشهداء بمحافظة إب في حملته الانتخابية للترشح للرئاسة، وفي خطابه الذي بدا فيه منتشياً قال: "من لم يعرف عهد الإمامة فليذهب إلى مديرية سامع سيجدها هناك"!!

كان الرجل يشرح في ذلك المهرجان كيف أن المديرية في تخلف من المشاريع التنموية وخاصة شبكة الطرقات التي مر من طريقها الرئيسي الرابط بين مدينتي دمنة خدير والعين من مديرية المواسط، كون الطريق أتعبته بينما كان يتسلق جبال سامع في موكبه الفخم كأنما يصعد في السماء، لتنقذ مسيره مروحية جاءت من تعز على وجه السرعة، تاركاً وزراءه خلفه، بينما كان متناسياً أنه الحاكم المسؤول عن كل ذلك التخلف وأول من توجه إليه يد المحاسبة ولوم التقصير!
لكنه بعد فترة وجيزة وبعد إعادة انتخابه للرئاسة وجه بتوسيع الطريق وسفلتتها، لتنطلق مرحلة العمل لاحقاً وقامت شركة سبأ بتنفيذ العمل منذ العام 2009 ، لكنها سرعان ما توقفت بعد اضطراب الأوضاع السياسية في البلاد بعد ثورة الشباب 2011، ومضاعفة التكاليف من قبل الشركة خارج إطار عقد المناقصة وكذلك بسبب المستخلصات للشركة، وتوقف العمل في منتصف 2012.

تركت الشركة - بعملية الشق والتوسعة - جبالاً من المخلفات المتراكمة مما ضاعف من أزمة الطريق التي كانت تنقطع بشكل سنوي في مواسم الأمطار جراء تساقط المخلفات والانزلاقات الصخرية على جنبات الطريق، وظل المواطنون يصلحونها بشكل جزئي كلما دعت الحاجة إلى ذلك، إصلاحاً ميسراً لا يتعدى فتح الطريق فقط من تلك الانزلاقات ولا يصل حد إنهاء المشكلة المؤرقة على الدوام.

بعملية الرص الأخيرة لهذه الطرق يكون المواطنون قد تخلصوا من كابوس مؤرق أعاق التنمية في البلاد وأعاق التواصل السهل مع بقية أجزاء المحافظة والمدينة على السواء، وحققوا منجزاً تاريخياً عظيماً في الاعتماد على الذات وبتعاون وتكاتف الشرفاء الفاعلين من أبناء المديرية.

خالد الرويشان ونقيل الحصة
في مقيل خاص جمعنا في منزل الأستاذ خالد الرويشان عام 2014 سرد لنا قصته الطريفة عن نقيل الحصة أثناء مروره مع الرئيس السابق صالح في موكب رئاسي ضم بعض الوزراء في تلك الطريق.

حيث قال وزير الثقافة الأسبق: "بينما كنا نعبر في الطريق شديد المراس والوعورة ونستعد للطلوع في أول ذلك النقيل [الحصة] عجز سائقي الخاص عن القيادة وقمت أنا بقيادة السيارة وكان الرئيس السابق ينتظر متى سأسقط من ذلك الجبل، وبين كل خمس دقائق يتصل علي: عادك موجود؟ ما قد سقطت؟ قلت له أنا السائق، واستغرب كيف أسوق في مثل تلك الطريق التي لم نبلغ منتهاها إلا بشق الأنفس ولم يصدق حتى انتظرني في رأس النقيل ليتأكد أنني السائق، بينما كانت ينتظر سقوطي من رأسها خاصة وأنا السائق، وكان ذلك بالنسبة له مراهنة وتحدٍ على الوصول، ولم نكد نبلغ السوق [قحفة السادة] حتى سبقنا وأتت له مروحية أخذته ونحن استمرينا في مواصلة سيرنا حتى تعز". 

تأسيس المبادرات
بعد حصار المدينة من الشرق والغرب والشمال وقطع خطوطها خاصة الجنوبية والشرقية في نهاية مارس 2015، بدأ المواطنون يبحثون عن طرق بديلة تصل بين الحوبان شرقاً والمدينة غرباً فكانت طريق الأقروض البديل، غير أن الطريق ضيق ولا يفي بحاجة المسافرين وفي أطرافه تقع بعض الجبهات، فاهتدى السائقون إلى طريق الدمنة – الخضراء بسامع نحو الغرب، لكنها مسافة طويلة تقطع من الحوبان إلى مدينة تعز بما لا يقل عن عشر ساعات، وصار الطريق رئيسياً من ناحية الجنوب للقادمين من عدن إلى الحوبان لكنه يظل شاقاً، شهد العديد من الحوادث التي أسفرت عن انقلابات السيارات وذهاب بعض الأرواح، فقام الأهالي ببدء رص النقيل الوعر واستكماله كون الصندوق الاجتماعي كان قد رص بعض أجزائه في العام 2009، ليبدأ العمل مجدداً فيه وتسهيله أمام المسافرين.

ومع أن الطريق طويل فهو يحتاج إلى دوران حول العديد من المديريات وصولاً إلى الخط الأسفلتي في عزلة قدس المؤدي إلى العين ومن ثم النشمة وصولاً إلى تعز الغربية، كان طريق الدمنة – حوراء سامع جنوب منطقة الأقروض أقرب مكاناً وأشق سلوكاً وأشد تضاريس جبلية، يتطلب إصلاحاً كاملاً وتمهيداً أكثر مما هو عليه، ومن هنا أطلقت نعيم الحوري أساس مبادرة الرص وإزالة المخلفات لنقيل كبير يكاد يضاهي نقيل سمارة المعروف.

سارع الأهالي لتأسيس مبادرة مجتمعية لتبني هذا العمل من قوت أطفالهم رغم الأزمة الكبيرة في ظل الحرب وشحة الإمكانات فجمعوا ما تيسر من تلك الأموال فأزالوا جبالاً من مخلفات الشق الأولى التي قامت بها شركة سبأ وتركتها عائقاً كبيراً التهم معظم أموال المبادرة، ثم قاموا بشق قنوات تصريفية للسيول التي تمثل أكبر تهديد للطريق منذ شقها قبل 40 عاماً ومن ثم بنائها بناءً محكماً ورصها بالحجارة الصلبة والأسمنت، وكذلك رص جسم الطريق العام رصاً محكماً وتوسعة عبارات المياه التي كانت تسد مع السيول وتساقط المخلفات.



غير بعيد من المبادرة الأولى لنقيل "الحَصَّة" في أطراف عزلة حوراء باتجاه مدينة دمنة خدير، وبعد شهر من إطلاقها انطلقت مبادرة أخرى لنقيل آخر لا يقل وعورة عن النقيلين السابقين وهو نقيل "مِحْصيص" بين عزلتي نهمان وبكيان وهو الذي شهد أولى حوادث السقوط لسيارة أحد المواطنين إلى الوادي المجاور راح ضحيته السائق الذي يلقب بـ"القُبْعِي"، وتم العمل على توسعة النقيل وتهبيط ارتفاعه وإعادة تخطيطه من جديد وبناء الجدران الساندة في منعطفاته ومن ثم المرحلة الأخيرة في عملية الرص وإنشاء العبارات وقنوات تصريف المياه المتساقطة من الجبل التي هي أساس خراب الطريق.

امتدت هذه المبادرة الأخيرة لتشمل نقيلاً أصغر مجاور هو "عقبة الضماجي" ويجري العمل في كل هذه النقل على قدم وساق في تنافس حميمي بينها من قبل الأهالي لسرعة الإنجاز وجودة العمل وفتحها أمام السائقين للعبور منها بأمان وسلام.



يحتفي أبناء سامع اليوم بهذه المبادرات كونها تؤسس لتكاتف مجتمعي يعتمد على الذات وتيسير التنقل بعد الصعوبات الجمة التي كانت تواجههم على الدوام، لما لذلك من تأثير على خدمات المواطنين في كافة الاتجاهات والاحتياجات فقد كان يتوفى المريض أثناء الإسعاف في الطريق الوعر قبل الوصول إلى المدينة فضلاً عن خدمات التنقل والحاجيات والأغراض المختلفة التي يتضاعف سعرها بسبب أجرة الحمولة ونقل الاحتياجات.

انعدام مشاريع الدولة 
منذ اللحظات الأولى لشق طرق سامع المختلفة، كان تكاتف الأهالي هو الحاضر على الدوام وغياب الدولة، حيث تم شق الطرق بمبادراتهم الذاتية منذ العام 1978 دون الحصول على أية مساعدات حكومية ولا المنظمات التي لم تكن يومها قد دخلت اليمن أصلاً.

كما لم تكن الطرق وحدها هي التي أنجزها المواطنون، بل إنهم أسسوا وبنوا كافة خدماتهم المجتمعية فبنوا حوالي 20 مدرسة بأنفسهم وأيديهم، وكذلك بنوا وأنشأوا الوحدات الصحية المختلفة، فضلاً عن بنائهم مشاريع المياه الخاصة من سدود وخزانات مائية وآبار ذاتية وأهلية.

كل هذه المنشآت لم تساهم فيها الدولة بفلس واحد مما جعل المديرية على الدوام محسوبة معارضة سياسية بسبب سخط الأهالي لعدم حضور مشاريع الدولة فيها.

بدأ حضور مشاريع الدولة بشكل ميسر عقب إنشاء المجالس المحلية عام 2001، وكانت عبارة عن عملية توسعة فقط لكل هذه المشاريع، فوسعت من المدارس ثم بدأ العمل بتوسعة الطريق وخطة سفلتته لربط المديرية بالمدينة والمديريات المجاورة بعد مرور الرئيس السابق كأول مسؤول حكومي يمر من الطريق عام 2006 ومن ثم بدء العمل في هذا الطريق عام 2009، غير أن الإنجاز لم يكتمل وصار عبئاً أكبر على المواطنين بسبب تراكم المخلفات ومضراً بالطريق، وكذلك ربط المديرية بالكهرباء في عام 2010 لتكون أول مشروع حكومي عام يصل المديرية بعد عناء كبير وتعطش لحضور الدولة ومشاريعها.


Create Account



Log In Your Account