الطفولة المهدورة على الأرصفة .. العمل لقاء سد الرمق
الأحد 27 ديسمبر ,2020 الساعة: 10:43 مساءً
سارة الخباط

عبدالباري سعد الرداعي (13سنة)، واحد من بين آلاف الأطفال في اليمن الذين وجدوا أنفسهم في رصيف العمالة، يواجهون العديد من المهن التي قد تكبرهم بعدة سنوات.

صباحًا، يذهب عبدالباري إلى المدرسة فهو لا يزال طالبا في الصف التاسع الأساسي، وعند الظهيرة يعمل في شركة الاتصالات حيث يقوم بشراء متطلبات الموظفين والموظفات من أكل وشرب مقابل أجر شهري.

تحسين الوضع المعيشي لأسرته أمر دفع عبدالباري للعمل حتى الساعة الثامنة مساء، ثم يعود إلى المنزل لحل الواجبات المدرسية ومراجعة دروسه قبل النوم.

تشير إحصائيات منظمة العمل الدولية إلى أن 1.4 مليون طفل في اليمن محرومون من أبسط حقوقهم، الأمر الذي بات يشكل مصدر قلق ويستدعي تدخلًا دوليًا للمساعدة في الحد من ظاهرة عمالة الأطفال.

يبلغ نسبة الأطفال في اليمن حوالي 34.3 بالمئة من سكان البلاد (28.25 مليون نسمة)، حيث تتراوح أعمارهم بين 5 و17 عاما. 21 بالمئة من هؤلاء الأطفال منخرطين بشكل أو بأخر في سوق العمل.

وتعد ظاهرة عمالة الأطفال منتشرة في اليمن منذ سنوات، إلا أنها تضاعفت في الأعوام الأخيرة بسبب الفقر والانهيار الاقتصادي الذي يشهده البلد نتيجة الحرب وتوقف دفع رواتب المعلمين وموظفي الدولة، وإغلاق الكثير من المؤسسات.

إغلاق بعض المدارس وتحويلها إلى ثكنات عسكرية من مختلف أطراف الحرب، أدى إلى ارتفاع نسبة تسرب الأطفال من المدارس واتجاههم الى سوق العمل؛ فلا تكاد تخلو أغلب المتاجر وجولات المرور والمطاعم من عاملين أطفال.

التعليم والعمل

منذ بدأ عبدالباري العمل توّلد لديه شعور بأنه أصبح كبيرًا حتى أنه هجر اللعب مع رفاقه الأطفال، كما أنه يشعر بالسعادة كونه يساعد والده في توفير احتياجات المنزل.

يقول: "أشعر بالسعادة لأني أصبحت كبيرا واعتمد على نفسي من صف سابع بطلت اللعب تماما كلما اشوف أبي وأمي مرتاحين لا ينقصهم شيء أشعر بالسعادة".

وعن تأثير العمل على الدراسة، يضيف "أحيانا يكون وقتي مزدحم جدا بالعمل لكني أحاول إذا معي امتحانات ان أذاكر اثناء العمل فبعض الموظفين يتعاونوا معي ويذاكروا لي".

يحرص عبدالباري على أن يوفّقَ بين التعليم والعمل لتحقيق حملة، فهو يطمح أن يكون مهندسًا في المستقبل كما يقول.

كما أنه يعتبر أفضل حالا من أطفال آخرين تركوا مدارسهم والتحقوا بسوق العمل والبعض منهم تركوا بيوتهم وغادروا عائلاتهم من الأرياف إلى المدن للبحث عن فرصة عمل.

ولا يقتصر العمل على الأطفال الذكور فحسب، بل هناك العديد من الفتيات صغيرات في السن يعملن في مهن متعددة، بينهن بيع المناديل واللبان وتنظيف المكاتب وبيع البيض والماء.

مخاطر
يتعرض عبدالباري أحيانا اثناء تأدية عمله لبعض المخاطر، أبرزها حوادث السير والشعور بالتعب لكثرة طلبات وبُعد المسافة لتوفيرها.

يقول "أحيانا وأنا أقطع الخط يكون هناك سيارات تمشي مسرعة ولا تبعد سوى شعرة عن صدمي، لولا لطف الله (...)، تزعجني أحيانا طلبات البعض حين يطلبون مني أن أشتري لها طلب وتقوم بتغييره بعد أن أوصل فأضطر الى أن أقوم بإرجاع الطلب الأول وتغييره بالطلب الجديد مما يسبب لي التعب".


بحسب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، فإن 50.7 بالمئة من الأطفال العاملين منخرطين في أعمال تُوصف بـ"الخطيرة وقد تتسبب بفقدانهم حياتهم" إما بسبب طبيعة المهن التي يعملون فيها أو بسبب ساعات العمل الطويلة التي يقضونها. لافتةً إلى أن 32 بالمائة من الأطفال العاملين، يتعرضون للتحرش.


مهن شاقة

وتتمثل المهن الشاقة التي يعمل فيها الأطفال مثل أعمال البناء والنجارة والحدادة، أو العمل كبائعين متجولين ما يجعلهم عرضة للإصابة بأمراض معدية وأخرى ناتجة عن تغيرات الطقس.

كما أن عمل الأطفال في المجال الزراعي يعرضهم للإصابة بأمراض خطيرة مثل ‏الإصابة باحمرار العيون المصحوبة بالتهاب صديدي والإصابة ‏بالأمراض المعوية ونوبات الصرع فضلا ‏عن تعرضهم بشكل مباشر للأتربة والرياح بسبب استخدامهم في تنفيذ عمليات رش ‏المبيدات الحشرية، بحسب  دراسة مسحية أعدتها منظمة العمل الدولية.

وتعتبر الدراسة ممارسة الأطفال لأعمال نقل البضائع وصيانة السيارات والميكانيك أو الانضمام إلى التشكيلات العسكرية على جانبي الصراع بأنها أعمال الخطيرة.

تشير الدراسة إلى وجود 264 مليون طفل عامل أغلبهم يعمل بدوام كامل. وأكثر من نصفهم يعمل في بيئات خطيرة أو يعاني من الاستعباد وغيره من أشكال العمل الجبري والأنشطة غير المشروعة بما في ذلك تهريب المخدرات والدعارة، وكذلك التورط في النزاعات المسلحة.

إحصائيات

بحسب تقارير الأمم المتحدة فإن نحو 168 مليون طفل حول العالم أعمارهم بين 10 سنوات حتى 18 سنة يعملون، ويشارك 85 مليون منهم في أعمال خطيرة، النسبة الأكبر من هؤلاء الأطفال يتواجدون في مناطق تشهد نزاعات مسلحة أو اضطرابات.

تُقدر نسبة الأطفال السوريين العاملين بـ 20% من إجمالي نسبة العاملين، مقارنة بـ 10% قبل الثورة السورية، مما يعني أن عدد الأطفال الذين دخلوا سوق العمل تضاعف في ظل الحرب الطاحنة التي تدور رحاها بين أطراف متنازعة كثيرة في سوريا.

وفي فلسطين بلغت نسبة عمالة الأطفال حوالي 3% حيث أشارت بيانات مسح القوى العاملة 2018، أن نسبة الأطفال العاملين (سواء بأجر أو بدون أجر) في فلسطين حوالي 3% من إجمالي عدد الأطفال في الفئة العمرية (10-17) سنة، بواقع 4% في الضفة الغربية و1.3% في قطاع غزة، و(5.5% أطفال ذكور مقارنة بـ 0.2% من الأطفال إناث).

دوافع متشابهة تجبر الأطفال في الدول التي تعاني من نزاعات على العمل، كحاجة الأبوين للمال وضعف الدخل اليومي مقارنة مع النفقات العالية بسبب غلاء الأسعار.

كما أن بعض الأسر فقدت الشخص المعيل لها بسبب الحرب التي طالت مدتها وبقيت الأم مع أطفالها اليتامى تعاني من صعوبة العيش وتتكالب عليها متطلبات الحياة، مما يدفع الأمهات إلى ممارسة بعض الأعمال التي غالبًا ما تكون من المنزل، في حين يساعدها أطفالها الصغار في النقل والمبيعات.


Create Account



Log In Your Account