ثلاثة أسباب رئيسة تمنع الصين من غزو تايوان.. ماهي؟
الثلاثاء 12 أكتوبر ,2021 الساعة: 11:51 مساءً
متابعات

مقدمة الترجمة
يتحدَّث كثيرون عن حرب مُحتمَلة في شرق آسيا، مع تكهُّنات أميركية حول نية بكين فرض سيطرتها عسكريا على تايوان، بيد أن هناك عوامل عدة تُثني الصين عن المخاطرة بهجوم عسكري على الجزيرة، يشرحها أندرَيه لونغو في مقاله المنشور في منتدى شرق آسيا.

نص الترجمة
ثمَّة تكهُّنات وتوجُّس حيال غزو صيني مُحتمَل لجزيرة تايوان بعد أن صعَّدت بكين من خطابها تجاه الحكومة التايوانية، وزادت من مناوراتها العسكرية في محيط تايوان، وقد عبَّرت إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن عن قلقها من أن تتخذ الصين قرارا بغزو الجزيرة على ضوء ثقة زائدة لدى قادتها في قوة بلدهم الصاعدة، وافتراضهم بأن قوة واشنطن بدأت في الأفول. وقد قامت الحكومة الأميركية بتحرُّكات عديدة أوضحت عبرها قدرتها والتزامها بالدفاع عن تايوان، ومنها التفاعل الدبلوماسي المتنامي، والمناورات العسكرية المتزايدة، والبيانات المشتركة مع كُلٍّ من اليابان وكوريا الجنوبية ومجموعة دول السَّبع (G7)، علاوة على بلورة ردٍّ مشترك مع اليابان وأستراليا على سيناريو نشوب حرب مع تايوان.

حسابات مُعقَّدة
ورُغم أن التحرُّكات تهدف إلى تقليل احتمالية الصراع العسكري عبر توطيد دعائم الردع المتبادل، فإنها لن تُحقِّق هدفها ذاك على الأرجح؛ لأن حسابات بكين فيما يتعلَّق بتايوان، المُعقَّدة دوما أكثر منها، منصبة على التوازن العسكري التقليدي، وتتضمَّن ثلاثة عوامل متمايزة لطالما أثنت الصين عن خيار الغزو أصلا.

أولها القوة العسكرية، إذ يشُك قادة الصين حتى اليوم في إمكانية انتصار بلدهم على تايوان والتمكُّن من غزوها، ناهيك بالنجاح في خوض قتال مع الولايات المتحدة.

وثانيا، هنالك تصوُّر عن الحرب مع تايوان بوصفها نذير عواقب وخيمة على اقتصاد الصين وعلاقاتها الخارجية وصورتها الدولية، والأسوأ هو أن صراعا كهذا قد يُمثِّل خطرا وجوديا على الحزب الشيوعي الصيني نفسه، إذ إن الحرب تعني قتال "إخوة" صينيين وقتلهم، في حين ستجُرُّ الهزيمة معها شبح العام 1895 (الذي شهد نشوب الحرب الصينية اليابانية الأولى في أعقاب الغزو الياباني لتايوان)، وتقوِّض التنمية الاقتصادية ذلك الهدف المُلِح وثيق الارتباط بـ"التجدُّد العظيم للأمة الصينية" كما يُسميه الحزب الحاكم.

ثالثا، ينتظر قادة الصين "التوحيد السلمي" لبلادهم مع تايوان، آملين أنه لا يزال مُمكنا، وأن الوقت في صالحهم بالنظر إلى تنامي القوة الصينية، ومن ثمَّ كان هدفهم التاريخي الحيلولة دون استقلال تايوان رسميا أو تغيير الوضع القائم. (وتُعرف تايوان رسميا بالجمهورية الصينية، في مُقابل الصين بوصفها جمهورية الصين الشعبية، وقد اعتبرتها دول الغرب مُمثِّلا عن الصين التاريخية حتى عام 1971، حين اعتُرِف بالجمهورية الشعبية كما نعرفها اليوم مُمثِّلا للصين. وأصرَّت الصين منذئذ على "سياسة الصين الواحدة" التي قضت بأن تايوان جزء لا يتجزأ من الصين، ومن ثمَّ باتت سفارات "الصين" في شتى أنحاء العالم مُمثِّلا للجمهورية الشعبية، أما تايوان الصغيرة فحافظت على درجة من درجات التمثيل غير الرسمي في معظم الدول الغربية واللاتينية بالإضافة إلى الهند واليابان وأستراليا ودول أخرى)*. لذا، بينما خاضت الصين عملية تحديث عسكري منذ عقود مستمرة حتى اللحظة، فإن الانتظار بالنسبة لها هو الخيار المنطقي في هذه القضية.

بيد أن واشنطن بتجاهلها العاملين الأخيرين تخاطر بالتركيز أكثر من اللازم على الافتراض القائل إن قادة الصين تنتابهم الآن ثقة زائدة حيال تآكل الردع العسكري، إذ إن الخوف من الولايات المتحدة لم يكن أبدا العامل الأوحد الذي حال دون سيناريو غزو صيني في المقام الأول. وقد رأينا ذلك بجلاء في حالة هونغ كونغ، إذ بقيت بكين واعية بشدة بالتبعات الدبلوماسية والاقتصادية لإرسال قوات عسكرية أو شبه نظامية لقمع المظاهرات هناك قمعا مُباشرا، وذلك دون أن يلوح في الأفق احتمال مواجهة عسكرية مع جيش آخر. على النقيض، انتهجت الصين إستراتيجية أبطأ؛ فأحكمت قبضتها على هونغ كونغ حتى تضاءلت الكُلفة السياسية لتحرُّكاتها هناك، حيث سعت القيادة الصينية لتدشين قبضتها تدريجيا على أرض هونغ كونغ طيلة سنوات، ثمَّ فرضت تشريعاتها المستندة إلى الأمن القومي فقط حين خرجت الأزمة عن السيطرة، لكنها لم تُبادر بإجراء كهذا ابتداء.

شكوك الصين
رئيس الصين "شي جين بينغ" ورئيسة تايوان "تساي إنغ وين"
لم يُقرِّر قادة الصين حتى الآن ما إن كان غزو تايوان أمرا حتميا أم لا؛ لأنهم ما زالوا معتقدين بأن "التوحيد السلمي" قابل للتحقيق، غير أنهم قلِقون حيال انجراف تايوان المستمر نحو الولايات المتحدة، إذ ترى بكين أن علاقات واشنطن المتزايدة مع تايوان تقوِّض من الوضع القائم، وتُقلِّص من احتمالات "التوحيد السلمي"، وهو خوف يجعل بكين أكثر عُرضة للنظر في إمكانية استخدام القوة. لقد حاولت بكين التعبير عن مواقفها بوضوح، مثلها مثل واشنطن، لكن تحرُّكات الصين مؤخرا زادت من مخاوف مُبادرتها بغزو تايوان، وأثارت الشكوك حيال الردع العسكري الأميركي، ومن ثمَّ ظهرت دعوات متصاعدة موجَّهة إلى واشنطن بأن تتخلَّى عن سياسة الغموض الإستراتيجي مُقابل الالتزام الصريح بأمن تايوان.

بيد أن السؤال في بكين ليس إذا ما كانت الولايات المتحدة ستتدخَّل عسكريا أم لا، وليس عن قوة الجيش الأميركي. في الحقيقة، يسأل قادة الصين أنفسهم إلى أي مدى ستلتزم الولايات المتحدة بحرب في تايوان، وكم سيستغرق الأمر، وكم من ضحايا سيسقطون، قبل أن يبدأ الرأي العام الأميركي في معارضة حرب بعيدة في شرق آسيا. على النقيض، يُدرك القادة الصينيون تماما صلابة التزامهم هُم تجاه تايوان. ولذا، بوسع الحكومة الأميركية أن تُغيِّر سياسة الغموض الإستراتيجي، لكنها لن تُبدِّد شكوك الصين حيال التزامها بخوض قتال طويل من أجل تايوان.

المُعضلة إذن ليست جديدة على صُنَّاع القرار الصينيين، بل شغلت عقولهم منذ عقود، ولكن مع رواج الحديث عن إنهاء واشنطن "حروبها الأبدية"، ومعارضتها للضلوع عسكريا في الخارج، يُرجَّح أن تتفاقم شكوك الصين تلك. هذا وأتى قرار إدارة بايدن بسحب القوات الأميركية من أفغانستان، المُعاكِس لمشورة مسؤوليه العسكريين، ليزيد الشكوك في بكين بالفعل حيال بقاء القوة الأميركية. فقد تخلَّت واشنطن عن أفغانستان اليوم، ويعتقد قادة الصين بأن الدور لعله يأتي على تايوان غدا.

إن مُعضلة الصين ليست ما إذا كان صُنَّاع القرار في واشنطن سيُقرِّرون إرسال القوات للدفاع عن تايوان، ولكن كم من وقت سينقضي حتى يبدأ المزاج الوطني في الولايات المتحدة بالتململ ويضطر معه الساسة الأميركيون إلى الإذعان للناخبين. ما إن نضع كل العوامل التي ترسم حسابات بكين حيال تايوان في الحسبان، حتى يظهر جليا أن المشكلة لن تُحَل بمزيد من البيانات الدبلوماسية، أو التفاعل مع تايوان، أو زيادة المهمات العسكرية، وذلك لأن أيًّا من ذلك لا يُعزِّز الردع المتبادل. إذا ما رأت بكين أن العلاقة تزداد وثوقا بين تايوان والولايات المتحدة، فإن تلك التحرُّكات تزيد مخاطر تصاعد التوترات. وبمساهمتها في رسم تلك الصورة عند صانع القرار الصيني عبر خطواتها الأخيرة، فإن الحكومة الأميركية تقوِّض في الحقيقة هدفها، الذي يُفترض أنه خفض التوترات والحيلولة دون غزو صيني لتايوان.

المصدر : الجزيرة


Create Account



Log In Your Account