هجمات الحوثي وتصنيف الرئاسي..هل سيغير معادلة الحرب والسلام في اليمن؟
الجمعة 28 أكتوبر ,2022 الساعة: 03:13 مساءً
متابعة خاصة

تبدو الأمور وكأنها تسير الي منعطف جديد قد تضع حدا لتطلعات اليمنيين في تحقيق السلام في البلد، الذي انهكته الحرب الدائرة منذ نحو ثمان سنوات، وما تزل قائمة بصورة أو بأخرى، ولم تنفع معها الجهود الداخلية والخارجية الرامية الي وقفها، وبدء عملية سياسية جديدة.


إن الهجمات الحوثية الأخيرة على منشآت النفط في كل من شبوة وحضرموت شرق اليمن، بدت كما لو كانت تمثل تحديا كبيرا لجهود السلام، ومؤشرا خطيرا على بدء مرحلة جديدة من الحرب لم تألفها اليمن من قبل.


لقد مرت الهجمات الحوثية على ميناء النشيمة لتصدير النفط في شبوة وميناء الضبة في منطقة الشحر بمحافظة حضرموت مرور الكرام، لم نشهد تحركا من قبل التحالف، ولا مواقف من قبل المجتمع الدولي، ولا تحركات من قبل الشرعية اليمنية ممثلة بالمجلس الرئاسي التي اكتفت بإعلان تصنيفها للحوثي كجماعة إرهابية عبر مجلس الدفاع الوطني التابع لها، دون أن نرى ما يمكن أن يلحق بهذا التصنيف من عقوبات وتوجهات.


هجمات الحوثي

كسر الحوثيون حاجز الهدنة التي استمرت لأشهر ، وشنوا قبل أيام قلائل هجمات بالطيران المسير على أكبر منشآت تصدير النفط الواقعة في جنوب البلاد، تحقيقا لتهديدات سابقة اطلقوها بهذا الخصوص، تنطلق من رغبتهم في الحصول على نصيب من إيرادات النفط المالية المستخرج من شبوة وحضرموت، والذي تقوم الحكومة الشرعية ببيعه للخارج مقابل أموال طائلة بالعملة الصعبة، لا يعود منها شيئا للبنك المركزي اليمني، وتقوم كما هو معروف بالتصرف بها لصالح مرتبات ونفقات الرئاسة والحكومة والبرلمان، ولكثير من الناشطين والإعلاميين وغيرهم الذين يتقاضون مرتبات او مكافات شهرية منها، وما تبقى يتم إيداعه في البنك الاهلي السعودي تحت اشراف التحالف، يحدث ذلك منذ بدات الحرب قبل نحو ثمان سنوات ونيف تقريبا.



هجمات الحوثيون أحدثت متغيرا جديدا في معادلة الحرب لاسيما في الجنوب الذي لحقت بهم هزيمة كبيرة فيه، وذلك باستخدام الطيران المسير الذي لن يتوقف عند استهداف المنشآت النفطية الصيد الثمين للحوثين، وانما ربما يتوسع لاستهداف مواقع اخرى، لا يستبعد ان يكون قصر المعاشيق بالعاصمة عدن حيث تقيم الرئاسة والحكومة هدفا قادما لها.


يريد الحوثيون فرض شروطهم على الجميع في حال حدث حوار سياسي مع الطرف الاخر، او فيما يحدث من حوار مع التحالف، وتاتي هجماتهم الاخيرة في هذا الاطار ايضا الي جانب ممارسة سياسة الابتزاز لدفع التحالف والشرعية لتسليمه حصة من النفط كما يطمح، مالم فانه سيستمر بتوظيف قدراته العسكرية لوضع الجنوب ضمن اهدافه، لاسيما المنشآت والمواقع الحساسة التي تستفيد منها الحكومة الشرعية، والتي لا يمكن للتحالف التفريط بها في ظل الصراع المحموم للسيطرة على الجنوب والمواقع الاستراتيجية والحيوية فيه.


مكنت الحرب الحوثيون من بناء ترسانة عسكرية ضخمة لا ينبغي التقليل منها، فهم يحصلون على السلاح اما عبر التهريب او عبر التصنيع الداخلي، حيث اسندت هذه المهمة لخبراء ايرانيين وعرب من حزب الله، يعملون تحت اشراف ايران مباشرة، وتبدو هذه الترسانة العسكرية قد منحت الحوثيون قدرا كبيرا من المناورة والصمود على المسرح السياسي وفي جبهات القتال، لكنها لم تمكنهم حتى الان من السيطرة على مأرب أهم المناطق الغنية بالغاز في شمال اليمن او السيطرة الكاملة على تعز اهم المناطق الشمالية الواقعة جنوب صنعاء وذات الكثافة السكانية الهائلة.


ويبدو أن الحوثيون يراهنون على عامل الوقت الذي يمكنهم من توسيع وتضخيم ترسانتهم العسكرية، وحصولهم على الأموال الضخمة التي تأتي من الضرائب والجمارك وايرادات المؤسسات الإقتصادية الكبيرة، خصوصا شركات الاتصالات التي يتحكمون بها، ويحصلون على إيراداتها حتى من داخل المناطق المحررة التي تسيطر عليها الشرعية والمجلس الانتقالي الجنوبي.


تصنيف الرئاسي

عقب هجمات الحوثي على منشآت تصدير النفط في كل من شبوة وحضرموت جنوب اليمن، وجه المجلس الرئاسي المعترف به مجلس الدفاع الوطني بتصنيف الحوثين كجماعة ارهابية، لكن هذا الاجراء المتاخر لم يلقى حتى الان تفاعلا اقليميا ودوليا كما كان متوقع، ومازال شان داخلي كما تعتقد القوى الخارجية، بما فيها التحالف صاحب عاصفة الحزم في اليمن.


ولئن ابدا اليمنيون تفاؤلهم بالخطوة التي أقدم عليها المجلس الرئاسي، الا أن هذه الخطوة لم تليها خطوات مهمة حتى الآن ينبغي القيام بها، ومن ابرزها: اسقاط كافة الاتفاقات الموقعة مع جماعة الحوثي، والتخلي عن أية التزامات في هذا الخصوص، فضلا عن تجميد الحوار المعلن مع الجماعة المصنفة إرهابيا ، وعدم التعاطي معها في أية مسائل سياسية أو اقتصادية أو غيرها، قد يشجع حدوثها من طرف المجلس الرئاسي جماعة الحوثي للتمرد أكثر فأكثر ومواصلة حربها بالطيران المسير أو غيره.


وتبدو الدعوة التي أطلقتها الحكومة الشرعية للوحدات العسكرية لاتخاذ كامل الجاهزية العسكرية للرد على هجمات الحوثين، لم تغادر مجرد الإعلان الي التحركات الحقيقية على الأرض ، وهذا يكشف الي أن المجلس الرئاسي والحكومة لم يتلقوا الضوء الأخضر من التحالف لردع الحوثين، وايقاف استهدافهم للمنشآت الحيوية والاستراتيجية في الجنوب.


يحتاج المجلس الرئاسي الي نوعا من الاستقلالية في القرار لتنفيذ الخطوات التي يراها مناسبة للرد على جماعة الحوثي، وتحديد بنك الاهداف التي يمكن استهدافها في ضربات عسكرية تليق بالتعامل مع جماعة ارهابية لم يعد يردعها رادع، ولم تقيم وزنا لاخلاقيات الحرب.


وفي الأثناء فان المجلس الانتقالي الجنوبي أصبح اليوم مطالبا أكثر من أي وقت مضى في الحفاظ على أمن واستقرار الجنوب، وعدم السماح لتحويل الجنوب الي مسرح حرب جديدة، وفي هذا الإطار طالب رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي اللواء عيدروس الزبيدي المجلس الرئاسي بالتخلي عن جميع الاتفاقيات مع الحوثين، ومن أبرزها إتفاق استكهولم والاستعداد للرد العسكري على الحوثين، كما أشار اللواء أحمد سعيد بن بريك رئيس الجمعية الوطنية للمجلس الانتقالي مخاطبا التحالف العربي” أطلقوا سراحنا ونحن على استعداد لهزيمة الحوثين وردعهم” وهذا المسلك يؤشر الي أن التحالف مايزال يغازل جماعة الحوثين طمعا في ترويضها، أو أنه هو الآخر يتعرض لضغوط دولية تمنعه من الرد او استئناف الحرب ضد الجماعة المتمردة.



سيذهب تصنيف الحوثين كجماعة إرهابية أدراج الرياح، اذا لم تتبعه الخطوات المطلوبة للتعامل مع هذا القرار الهام، الذي بإمكانه تغيير معادلة الحرب والسلام في البلاد.


الحرب والسلام


بعد الهجمات الحوثية المذكورة على منشآت النفط يبدو أن فرص الحرب قد تتغلب على فرص السلام، وتأخذ البلاد معها الي معركة قد تكون حاسمة لفرض السلام بالقوة العسكرية، لكن هذه الخطوة باتت بحاجة لضوء أخضر إقليمي ودولي في ظل تضارب المواقف الخارجية، لاسيما الدولية منها التي يبدو أنها توفر المزيد من الحماية والوقت للحوثين، انطلاقا من إيمان المجتمع الدولي بأن الحل في اليمن لن يكون عسكريا.


ومؤخراً تحدث رئيس مجلس النواب اليمني الشيخ سلطان البركاني في تغريدة على موقع التواصل الاجتماعي، مؤكدا أن بلاده لا تستجدي الحل من الحوثين، وأن التفضل بالحل من قبل التحالف والمجتمع الدولي لم يعد ممكنا في ظل جماعة لاتؤمن الا بالقوة والحلول العسكرية.


ولقي موقف البركاني تفاعلاً كبيراً في أوساط اليمنيين الذين طالبوا بأن يتحول هذا الموقف الي موقف رسمي صادر عن البرلمان او الحكومة الشرعية، وهي المؤسسات التي عمل التحالف على اضعافها بكل الوسائل، حتى اصبحت قدرتها على اتخاذ موقف وطني وشجاع من سابع المستحيلات.


ومن هنا فإنه يمكن القول أن التطورات الأخيرة قد تؤدي الي تغيير معادلة الحرب والسلام، أما من خلال خوض حرب جديدة وحاسمة مع الحوثين، أو خضوع السلطة الشرعية لمطالب الحوثين المرفوضة شعبيا، مقابل تحقيق السلام، لاسيما وان تعامل التحالف مع الحوثين قد طرأ عليه الكثير من التغيير الذي يخدم أجندتهم ، دون أن يضع حلا معقولا ومنطقيا لليمن ومستقبلها، وللاطراف السياسية والاجتماعية التي قاتلت مع التحالف منذ ثمان سنوات ونيف.


نقلا عن مركز مسارات للإستراتيجيا والإعلام


Create Account



Log In Your Account