اللفظ "عَتَلْ" في المعافرية والقرآن الكريم
الجمعة 04 نوفمبر ,2022 الساعة: 07:03 مساءً


هذا اللفظ من ألفاظ اللغة/اللهجة المعافرية، يرد كثير الاستعمال بمعنى: التقط، رفع، اجتذب، احتمل وذهب. وتصريفه: "عَتَلْ" للماضي، و"يَعْتِل/يَتْعَتَّل" للمضارع، والمصدر "عَتْلْ" بفتح العين وتاء ولام مهملتين، وللحال "تِعِتّال" و"عُتِيل" بضم العين وفتحها، والمفرد "عِتّالة" و"عَتْلَة".
ونلاحظ هنا التقاليب والتصريفات المختلفة للفظ في لغة/لهجة المعافر، مما يدل على سعة لغوية وصرفية.
ورد اللفظ "عتل" في القرآن الكريم في موضعين؛ الأول للأخذ الشديد، كما في قوله تعالى: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاء الْجَحِيمِ﴾ الدخان ( 47)، وهو لفظ يصور حالة الشدة في الأخذ والجذب والسحب إلى جهنم، بينما يستعمل في اللهجات المعافرية للشيء السلبي إما للأخذ سرقة، وكذلك الشدة بطريقة النشب، وهو غرز الشيء في بعضه وسحبه عن بعد.
وأما الموضع الثاني لـ"عتل" فهو في قوله تعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ القلم(13)، قال المفسرون في هذا المعنى: غليظ وجاف. وربما جاء هذا اللفظ يعني اعتساف القول والحكم؛ لأنه جاء في إطار الرد على الوليد بن المغيرة عن تقوله في الرسول - صلى الله عليه وسلم - واتهامه بالسحر، وتقوله في القرآن، وكذلك مساومة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في العدول عن دعوته مقابل الإغراءات المادية الكبيرة، بعد قولته المشهورة في القرآن الكريم: "إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو ولا يُعلى عليه". وقد أكد اللفظ الأول "عتل" اللفظ بعده "زنيم"، فـ"زنيم" في اللهجات المعافرية يعني: التقدير والحكم على الأشياء (التخمين). أم إنه يقصد هنا بهذا اللفظ أن الوليد بن المغيرة (لقيط)؟!
وإذا قال لنا أحد إن المعافريين قد أثروا لسانهم بمصطلحات القرآن وأخذوا عنه ولم يأخذ هو عنهم، فأقول: هل إن المعافريين – مثل غيرهم من اليمنيين – لم يكونوا عرباً ولم يعرفوا العربية لغة القرآن خاصة بعد تلك التقسيمات للغويين الذين أخرجوا اليمن من دائرة البحث اللغوي؟ وبالتالي حينما كتب إليهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولبوا دعوته والتحقوا به في المدينة هل جعل بينهم وبينه ترجماناً وسيطاً أم إنه -صلى الله عليه وسلم- كلمهم وكلموه دون واسطة؟!
وكذلك: ألم ترد كثير من ألفاظ القرآن الكريم يمنية ومعافرية وهي موجودة وموثقة في النقوش اليمنية؟
وبالتأكيد فإن كل الأمم تأثرت بالقرآن الكريم ألفاظاً وأحكاماً، واليمنيون المعافرون ليسوا استثناءً من ذلك، لكن أصول هذه الألفاظ موجودة في لغتهم ونقوشهم، والقرآن الكريم ديوان جامع وناقل لكل اللغات السامية القديمة، ولذلك ترد ألفاظ منه لا يفهمها من هم في الجزيرة العربية، ويفهمها أهل العراق وفارس ومصر والمغرب، وترد ألفاظ منه يفهمها أهل الجزيرة ولا يفهمها أهل العراق وفارس ومصر وبلاد المغرب، وقد عرفنا كيف إن المفسرين الأوائل للقرآن الكريم كانوا يقفون عند بعض الألفاظ ولا يفهمونها، وتأتي من أهل اليمن فيعرفونها لهم، كما روت بذلك كثير من الروايات عن ابن عباس وغيره من المفسرين.   
وإذا تبين للقارئ أن بعض ألفاظ اللهجات المعافرية (كيمنية قديمة) منطوقة وموجودة في المعاجم العربية الفصحى المحسوبة على اللغة الشمالية (عربية الشمال) كـ"لسان العرب" أو غيره، وكذلك في القرآن الكريم؛ فذلك لأن اللغة اليمنية أهم مصادر العربية الفصحى؛ حيث كانت اللغة اليمنية سائدة على الجزيرة العربية بحكم دخول المنطقة كلها تحت نفوذ الممالك اليمنية القديمة، وكذلك بفعل الاحتكاك التجاري والتثاقف بين المناطق، وأهم عامل في ذلك التأثير هو: هجرات القبائل من الجنوب إلى وسط وشمال الجزيرة، التي حملت معها لغاتها ولهجاتها المختلفة واستيطانها المناطق الجديدة المهاجرة إليها. 
عرفنا ذلك من خلال ما ثبته بعض اللغويين في تفسير القرآن الكريم، وبعض الشعر الجاهلي اليمني، ومن المقامات الأدبية، وكذلك النقوش. 
وقد ثبّت اللغويون ألفاظاً يمنية كثيرة في معاجمهم، سواء تلك التي قالوا عنها يمنية أو تلك التي لم ينسبوها لأيٍ من المناطق، أو ينسبونها إلى قبائل ومناطق عربية، وهي يمنية
فبينما كنا صغاراً نتحفظ القرآن في حلقات المساجد، كنا نجد كثيراً من ألفاظ القرآن الكريم مفهومة لنا كأطفال لأننا نستعملها في لغتنا وأحاديثنا اليومية، وكان الأغرب أن نعود للبحث عنها في كتب التفاسير للقرآن، كما عند ابن كثير وابن عباس وغيرهما: نجد معاني مختلفة تماماً لما نفهمه حتى يشكل علينا الحفظ والتفسير لتلك الألفاظ في تلك التفاسير، وكنا ملزمين بما ورد في كتب التفاسير لا بما نفهمه نحن، بينما هي ميسرة مفهومة لدينا، مع أننا نجد اختلافاً كثيراً بين المفسرين لتلك الألفاظ التي يعودون فينسبونها إما للفارسية أو الحبشية، وياللعجب!
 ورد في كتاب (الجامع لأحكام القرآن ج19/صـ134) "فاعتلوه": أي جروه وسوقوه. و"العَتْلُ" أن تأخذ بتلابيب الرجل فتعتله؛ أي: تجره إليك لتذهب به إلى حبس أو بلية. عَتَلْتُ الرجل وأعْتِلُه عَتْلاً: إذا جذبته جذباً عنيفاً.
وكذلك نجد اللفظ الآخر القريب منه لنفس الاستعمال (تَلَّ) "تَلَّ، يَتُلُّ، تَلَّاً، ومَتْلُولْ، وتَلَّة، وتُلِيْلْ، وتِلْتال". وقد ورد في موضع واحد فقط في القرآن الكريم في قوله تعالى: {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ }الصافات(103)، أي: رفعه.
غير أن الفارق بين اللفظين في المعنى أن "عَتَلْ" يكون للجذب الشديد والحالة السلبية، بينما "تل" يكون في الرفق والحالة الحانية الإيجابية، فضلاً عن أن نواة الحروف واحدة وهو التاء، ولحقه اللام كحرف أصلي مؤتلف معه


Create Account



Log In Your Account